نورالدين برحيلة: هل يقتل الذكاء الاصطناعي المدرسة؟
نورالدين برحيلة
جواب الذكاء الاصطناعي:
الذكاء الاصطناعي لا يقتل المدرسة ولا يحل محلها بشكل مباشر. بدلاً من ذلك، يمكن أن يكون له دور تكميلي في العملية التعليمية. يوفر الذكاء الاصطناعي أدوات جديدة تساعد المعلمين والطلاب على تحسين التعلم، مثل:
*التخصيص*: يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل أداء الطلاب وتقديم مواد تعليمية مخصصة تناسب احتياجاتهم.
*التقييم*: يمكن أن يسهل الذكاء الاصطناعي عملية تقييم الطلاب وتحليل النتائج بسرعة أكبر.
*التفاعل*: بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي تستطيع توفير تفاعلات تعليمية ممتعة وجذابة للطلاب.
لكن يجب أن ندرك أن التعليم يتطلب أيضًا العنصر البشري، مثل التوجيه والدعم العاطفي والتفاعل الاجتماعي، وهي جوانب يصعب على الذكاء الاصطناعي تكرارها. لذا، من المهم استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز التعليم وليس كبديل عنه.
بعد هذا الجواب شرعت في البحث وسألت بعض المختصين في مجال البرمجة والمعلوميات، وكانت الصدمة حين علمت أن الذكاء الاصطناعي يستطيع ممارسة الكذب والتضليل انطلاقا من برمجته على الأجوبة المُتحيِّزة والانتقائية والبراغماتية، إما لخدمة مصالح القٍوى المبرمِجة أو لتضليل الخصوم وتخديرهم بغية تحويل الشعوب إلى قطيع فاقد للوعي والتفكير.. قطيع يعيش على الأحلام المريحة والتفاؤل الخرافي والآلام الرُّهابية والتشاؤم الشيطاني.
وهنا طرحت سؤالا على الذكاء الاصطناعي:
هل يكذب الذكاء الاصطناعي؟
الجواب:
الذكاء الاصطناعي لا يمتلك مشاعر أو نوايا، لذا لا يمكن اعتباره “منافِقًا” أو “كاذبًا” بالطريقة التي نفهمها عند البشر. لكن يمكن أن تنتج الأنظمة الذكية معلومات غير دقيقة أو مضللة بناءً على البيانات التي تم تدريبها عليها أو إذا كانت الخوارزميات المستخدمة غير صحيحة. لذلك، من المهم استخدام الذكاء الاصطناعي بحذر والتحقق من المعلومات التي يقدمها.
ـــــــــــــــــــــــــــ
والنتيجة أن الذكاء الاصطناعي ينصحنا أن نتعامل معه بحيطة وحذر وأن نتحقق جيدا من المعلومات التي يقدمها لنا، لذلك نستطيع أن نقول بخصوص السؤال: هل يقتل الذكاء الاصطناعي المدرسة؟
الحقيقة مُرَّة لكن يجب تجرُّعها أو على الأقل القبول بها، وحقيقة قابلية المدرسة العالمية للموت واردة جدا، على غرار الكثير من ضحايا الذكاء الاصطناعي الذين عمروا طويلا ليصبح مكانهم متحف التاريخ في أحسن الأحوال.
وغالبا ما يتم استخدام حجة رجل القش من خلال ادعاء أن معضلة المدرسة اليوم في كل المعمور تتمثل في تغيير المناهج وبيداغوجيات التدريس، في حين أن الإشكال الحقيقي أكبر من المناهج التربوية والبرامج والمقررات الدراسية وطرق التدريس، وإطلالة سريعة على الانتقادات اللاذعة ضد المدرسة، التي وجهها الكثير من المفكرين في مجال سوسيولوجيا المدرسة وعلوم التربية أمثال إيفان إليش Ivan Illich في كتابه “مجتمع بلا مدارس” فاضحا الحجج المتهافتة التي يرفعها المدافعون عن المدرسة بكونها فضاء للتعلم والتربية والقيم على النقيض من هذا يؤكد Ivan Illich أن المدرسة هي مكان للاستنزاف شخصية الإنسان لسنوات طوال، دون جدوى، بل إنها مسؤولة في نظره على ضياع طاقاته الإبداعية وخراب قدراته، وترويضه على الغباء والتبعية والانقياد، وبالتالي فالمدرسة أخفقت في بناء التعلمات المعرفية والخطير أنها أخفقت في بناء الشخصيات الإنسانية.
لم تعُدِ المدرسة ممرًّا للترقي الاجتماعي، والتموقع الديمقراطي داخل المجتمع، بناء على الاستحقاقات والكفاءات، على النقيض من هذا تماما يرى الكثير من السوسيولوجيين أن وظيفتها المركزية هي الحفاظ على الوضع القائم الذي تستفيد منه الطبقة المهيمنة وإعادة إنتاج التراتبية الطبقية، من خلال قوتها الناعمة التي تتمظهر في العنف الرمزي، وفق منظور عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو Pierre Bourdieu سيما في كتابه “العنف الرمزي: بحث في أصول علم الاجتماع التربوي”.
سبق للمفكر إيفرت رايمر Everett Reimer أن أعلن سنة 1965 عن إفلاس المدرسة في مؤلفه “موت المدرسة” وهي نفس السنة التي قتلت فيها قوات الأمن المغربية مدعومة بالجيش المئات من المتظاهرين، معظمهم تلاميذ ثانويات، احتجاجا على قرار وزير التربية الوطنية حينذاك يوسف بلعباس بالطرد التعسفي لكل تلميذ تجاوز سنه السابعة عشر سنة من التعليم الثانوي، خاصة وأن المدارس الثانوية آنذاك تأثرت وتشبعت بفكر ونضال الطلبة الجامعيين، بل إن مستوى وعي التلاميذ حينذاك كان يتجاوز سنهم بكثير، وهم يؤسسون الحركة التلميذية، وينخرطون في النقاشات الفكرية والحقوقية، تزامنا مع رفض النخب السياسية والفكرية تفقير المغرب ونهب ثرواته، والدفع بالتصعيد السياسي إلى أقصى الحدود، وهو ما جعل المخزن يعتبر المدرسة أشد الخصوم.
بطبيعة الحال رؤية المفكر والمنظّر التربوي إيفرت رايمر Everett Reimer مناقضة تماما للتصور المخزني المغربي، لأن Everett Reimer في كتابه “موت المدرسة” لم يكن هدفه حفر قبر المدرسة، وإنما مساءلة وظائفها وهو الخبير المختص في علوم التربية والدراسات الإحصائية، ومعظم أبحاثة تطلبت سنوات من الاشتغال العلمي الأكاديمي، ليخلص إلى نتائج علمية صادمة تكشف فشل المدرسة في الدول المتخلفة (أمريكا اللاتينية: بورتو ريكو والمكسيك) في حل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية كالإقصاء المدرسي للفئات الفقيرة وانتشار الأمية والاستلاب والهشاشة..، وتقديم الحلول والبدائل واقتراح شبكات تربوية متنوعة كمراكز التنشيط التربوي والتعلم الذاتي في المكتبات واستثمار الوسائط الإلكترونية والتعلم الجماعي الحر والتعلم المرِح باللعب والمسرح، حيث يصبح التعلم من أجل الحياة وبناء الذات وليس طقسا للموت والبؤس والقهر والعبث.
هذا ما حذر منه التربوي البرازيلي باولو فيريري Paulo Freireفي مؤلفه “تعليم المقهورين” وهو الذي كابد الفقر والجوع في أزمة 1929 وفضح كيف توظف الدولة المدرسة لتكريس قهر المواطنين، وإفراغ فعاليتهم الإنسانية وتحويلهم إلى كائنات ميكانيكية لا تفكر بعدما قامت المدرسة بتعطيل وعيهم وترويضهم على تقبل القهر والصبر على القهر، وتبادل القهر فيما بينهم، خاصة وأن عملية الترويض المدرسي الطويلة الأمد تحول الإنسان إلى آلة مبرمجة وتجريد الإنسان من أهم مقوماته كممارسة التفكير الحر والمساءلة النقدية والقدرة على الإبداع والأهم هو الإحساس بالحياة والإحساس بألم المقهورين، وهو ما تسحقه المدرسة الرأسمالية، مدرسة “التعليم البنكي” الذي يشحن عقول المتعلمين بالكثير من التعلمات ويحرمهم من مساءلتها والنتيجة، الضياع السريع لتلك التعلمات، وتعويد المتعلمين على ثقافة الاستهلاك، كل شيء قابل للرمي Un produit jetable بما في ذلك القيم les valeurs وعلى رأسها القيم الاجتماعية Les valeurs sociales كقيم الاحترام والتضامن والعيش المشترك والسلم الاجتماعي..
هكذا يتضح أن المدرسة أخلفت موعدها لأن يد الرأسمالية العالمية هي التي تحركها، وهي التي تضع المنهاج الحقيقي للمدرسة، وهو ما يصطلح عليه بالمنهاج الخفي أو الضمني Curriculum caché ou latent، وهو منهاج مختلف عن المنهاج المُعلن في الدوائر التربوية الرسمية، والذي يتغنى عندنا بمدرسة الكفايات والقيم والتربية على الاختيار، لأن ما يهم المنهاج الخفي الذي يرتبط بالنظام العالمي هو إنتاج المدرسة لكائنات بشرية متشابهة مِطواعة وهشَّة، وخدمة الطبقات المهيمنة وضبط الجماهير اجتماعيا وسيكولوجيا.
هذا ما تقوم به المدرسة اليوم: إنتاج قوالب بشرية استهلاكية، وقد سبق للمحلل النفسي وعالم النفس الاجتماعي إريك فروم Erich Fromm أن فضح النظام الرأسمالي، الذي يهتمُّ فقط بالربح، ولو أفضى ذلك إلى تخريب الإنسان، والتسلل إلى عقله والعبثِ بأفكاره وتخريب دماغه، وتحويله إلى أداة للتسلية وسلعة تبادلية، حيث يُصبح الإنسان شخصية تسويقية داخل سوق بشرية، يحرص فيها الفرد على عرض نفسه كصفقة رابحة ليتمكن من بيع ذاته، فيكون هو البائع والبضاعة في نفس الآن، وهذا التصور يمتحُ من الفلسفة الكانطية التي انتقدت العقل الديكارتي الحسابي، وما رافقه من حملات استعمارية وإبادة واستعباد للكثير من الشعوب بدعوى أنها متوحشة وبدائية، يحِقّ معاملتها كأشياء ووسائل، وضدا على هدا التصور الأداتي للبشر، سيُنادي كانط Kant بعقل عملي أخلاقي شعاره الدائم: “تصرف على نحو تعامل به الإنسانية، في شخصك كما في شخص غيرك، دائما وأبدا كغاية وليس مجرد وسيلة بتاتا”.
إذا كان كبار المنظرين التربويين إعلنوا موت المدرسة وفشلها في ربط الإنسان بالحياة، وخدمتها للطبقة المسيطرة في المجتمع وجعل الطبقات الدنيا تتعايش مع دونيتها، وخسارة الإنسان لمعنى وجوده، فقدان المعنى هو المدخل للقيم العدمية، مادام الفعل الإنساني مهما تعاظمت مجهوداته وطموحاته فلن يغير من الأمر الواقع شيئا، لذلك فقضية بناء المعنى هي توأمة بناء القيم، وأهم معركة يمكن للمدرسة خسارتها ليس بناء التعلمات والمهارات وإنما بناء القيم الإنسانية التي هي إسمنت الوجود الإنساني المتحضِّر وهي صمام الأمان ضد التوحش والهمجية.
والحقيقة المؤلمة تكمن في أن الذكاء الاصطناعي المجرد من أهم الخصائص البشرية وهي *الكرامة* و *الضمير الحي* الذي يعرف *بالوعي الأخلاقي* كل هذه الخلاصات تعني إمكانية انفلات الذكاء الاصطناعي من السيطرة البشرية والانفتاح على كل الممكنات والمفاجآت…
كاتب عربي متخصص في الفلسفة وعلوم التربية
ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية “راي اليوم” مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع
للدعم:
تمهيداً لافتتاحه..العاصمة اليابانية طوكيو تحتفل باستقبال معرض ”رمسيس وذهب الفراعنة” | فن وثقافة
كم سجل سعر الدولار مقابل الجنيه المصري اليوم الأحد 9 فبراير 2025؟
رئيس مصرف أبوظبي الإسلامي مصر: الدولار متوافر ومستمرون في تلبية احتياجات العملاء
دار الإفتاء: نحن الجهة الوحيدة المسئولة عن إعلان نتيجة رؤية هلال رمضان | دين وحياة
نتوقع إجراء المراجعة الخامسة قبل نهاية يونيو المقبل
تركيا تفتح تحقيقا ضد رئيس بلدية بتهمة التمييز ضد السوريين
إنتر ميلان يواصل انتصاراته بفوز صعب على جنوى في الكالتشيو
مباشر الآن مباراة مصر والمغرب بأولمبياد باريس 2024 عبر القنوات المجانية المفتوحة والفوز بالبرونزية
إطلاق مشروع التصويت الإلكتروني وبرنامج الشكاوى وقياس الأداء بهيئة النيابة الإدارية