شغل سبب اعتقال لاهور شيخ جنكي طالباني الرأي العام في إقليم كردستان العراق، خاصة بعد أن نفذت قوة أمنية خاصة عملية واسعة في مدينة السليمانية فجر الجمعة، والتي لم تقتصر على توقيفه بل شملت أيضًا أشقاءه وسط اشتباكات مسلحة عنيفة، مما طرح تساؤلات عديدة حول تداعيات هذا الحدث الأمني والسياسي البارز الذي هز استقرار المنطقة مؤخرًا.
تفاصيل وأسباب اعتقال لاهور شيخ جنكي طالباني في السليمانية
استيقظت مدينة السليمانية على أحداث متسارعة، حيث قامت قوة أمنية خاصة بتنفيذ عملية استمرت لساعات تهدف إلى القبض على المعارض الكردي البارز ورئيس حزب جبهة الشعب، وقد تمت العملية بناءً على مذكرة توقيف قضائية صدرت استنادًا للمادة 56 من قانون العقوبات العراقي؛ التي تتعلق بتهم التآمر بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد، وخلال محاولة تنفيذ المذكرة، اندلعت مواجهات واشتباكات مسلحة بين القوة المنفذة والعشرات من أنصار لاهور شيخ جنكي طالباني الذين احتشدوا للدفاع عنه ومحاولة منع اعتقاله؛ إلا أنه قرر في نهاية المطاف تسليم نفسه لتجنب المزيد من التصعيد، بينما أسفرت المواجهات عن إصابة شقيقه بولاد بطلق ناري في ساقه قبل أن يتم اعتقاله هو الآخر، وقد أكدت وكالة الأنباء العراقية الرسمية (واع) وقوع قتلى وجرحى خلال هذه العملية المعقدة، مما يعكس حجم التوتر الذي سبقها ورافقها.
جاءت هذه العملية في وقت تشهد فيه السليمانية توترات أمنية كبيرة وغير مسبوقة، فقد سبقها هجومان منفصلان باستخدام طائرات مسيّرة بالإضافة إلى حوادث إطلاق نار وقعت بالقرب من منزل بافل طالباني، رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني وابن عم لاهور، مما يضاعف من تعقيد المشهد ويفتح الباب أمام تحليلات تربط بين هذه الأحداث، فالبعض يرى أن سبب اعتقال لاهور شيخ جنكي طالباني يرتبط مباشرة بهذه التوترات ومحاولة السلطات فرض سيطرتها، وهذا الاعتقال ليس حدثاً معزولاً؛ إذ جاء بعد أقل من أسبوعين على توقيف شخصية معارضة أخرى وهو شاسوار عبد الواحد، زعيم “حزب الجيل الجديد”، مما يشير إلى وجود حملة أوسع تستهدف الأصوات المعارضة في الإقليم الكردي.
من هو لاهور شيخ جنكي طالباني وما هي مسيرته السياسية؟
يُعد لاهور شيخ جنكي طالباني شخصية مثيرة للجدل وذات حضور قوي في المشهد الكردي، وهو من مواليد عام 1975 وينحدر من بلدة كوي سنجق التابعة لمحافظة أربيل، ويحمل الجنسيتين العراقية والبريطانية، ما منحه أفقًا مختلفًا في التعامل مع السياسة الإقليمية والدولية، كما ينتمي إلى عائلة سياسية عريقة لها وزنها الكبير في العراق، فهو ابن شقيق الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، وشخصية محورية في تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني، وهو أيضًا ابن عم الرئيس الحالي للحزب بافل طالباني، وهذه الخلفية العائلية هي التي مهدت له الطريق للوصول إلى مناصب حساسة ومهمة في الإقليم.
قبل أن يتحول إلى صوت معارض، كان لاهور شيخ جنكي طالباني أحد أعمدة السلطة في إقليم كردستان، حيث بنى مسيرة مهنية لافتة في المجالين الأمني والسياسي مكنته من بناء شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ، وقد تقلد العديد من المناصب البارزة التي عززت من مكانته، ولعل أهمها:
- الرئيس المشارك السابق لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني.
- مدير وكالة زانياري، وهو جهاز الاستخبارات الرئيسي في إقليم كردستان.
- المدير السابق لقوة مكافحة الإرهاب في الإقليم.
هذه المناصب الأمنية الحساسة جعلته مطلعًا على أدق تفاصيل المشهد الداخلي، وهو ما يفسر جزئيًا قوة معارضته الحالية للسلطة وطبيعة الخلافات التي نشبت لاحقًا داخل عائلته السياسية.
كيف تحول لاهور شيخ جنكي إلى أبرز معارضي إقليم كردستان؟
كان عام 2021 نقطة تحول جذرية في مسيرة لاهور شيخ جنكي طالباني السياسية، فبسبب خلافات حادة وعميقة مع ابن عمه بافل طالباني حول النفوذ وإدارة الحزب، تم تهميشه وإبعاده بشكل كامل عن دائرة القرار داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، وهذا الصراع الداخلي لم يكن مجرد خلاف عائلي؛ بل كان صراعًا على السلطة أدى إلى انقسام كبير داخل الحزب، ونتيجة لهذا التهميش، اختار لاهور شيخ جنكي عدم الاستسلام وقرر تأسيس كيان سياسي جديد وهو حزب “جبهة الشعب”، ليحول صراعه من خلاف داخلي إلى معارضة سياسية منظمة ومباشرة للسلطة الحاكمة في السليمانية، وهذا التحول هو الذي جعل سبب اعتقال لاهور شيخ جنكي طالباني مسألة وقت.
لم يكتفِ بتأسيس الحزب فقط، بل خاض به أول اختبار انتخابي حقيقي في انتخابات برلمان كردستان لعام 2024، حيث نجح حزبه في الحصول على مقعدين، ورغم أن العدد قد يبدو متواضعًا، إلا أنه كان بمثابة إعلان رسمي عن ولادة قوة معارضة جديدة في الإقليم لها تمثيلها البرلماني، وبذلك تحول لاهور شيخ جنكي من وجه شاب وقيادي بارز داخل الحزب الحاكم إلى واحد من أبرز رموز المعارضة في إقليم كردستان العراق، وأصبح صوته ينتقد سياسات أبناء عمومته وحزبه السابق بشكل متكرر، وهو ما زاد من حدة الصدامات معه.
وهكذا، تحولت مسيرة لاهور شيخ جنكي طالباني من قمة هرم السلطة الأمنية والسياسية في كردستان إلى رمز للمعارضة الصريحة، ليجد نفسه اليوم في مواجهة مباشرة مع السلطات التي كان جزءًا منها، وهو ما يفسر جزئيًا سبب اعتقال لاهور شيخ جنكي طالباني الذي أحدث هزة في المشهد الكردي وأعاد تشكيل خريطته السياسية من جديد.