الهواتف الذكية تعزل العائلات.. آثار اجتماعية عميقة بعدد متزايد

الهاتف الذكي تحولت حياة الكثيرين في لبنان منذ أن أصبح رفيقا يوميا يفوق دوره الاتصالي، حيث يسيطر على الوقت والتركيز والروابط الاجتماعية، خاصة وسط الأزمات الاقتصادية والنفسية التي تجعله ملاذا للهروب؛ فبدلا من تعزيز التواصل، يقلل من الحوار العائلي والتركيز الدراسي، ويفاقم العزلة بين الأجيال، مع انتشار واسع يصل إلى 86% من السكان.

تغيّر اللقاءات العائلية بفعل الهاتف الذكي

شادي، طالب جامعي، يصف كيف يبدأ يومه بالتحقق من الشاشة قبل أي نشاط آخر، مما يؤدي إلى ساعات من التصفح العشوائي؛ وأثناء الدراسة، يشتته الإشعارات مستمرا، فينخفض تركيزه وأداؤه الأكاديمي. أما علاء، موظف في شركة خاصة، فيشكو من إرهاق الإشعارات الذي يقلل إنتاجيته، رغم أهمية الهاتف الذكي في عمله اليومي. نبيلة، أم لأربعة أبناء مهاجرين، تعتمد عليه للتواصل معهم، لكنه لا يملأ فراغ اللقاءات الحقيقية؛ وعلى الجانب الآخر، تشعر عليا بالقلق من إدمان طفلها للهاتف والتابلت، الذي يعيقه عن اللعب والحديث العائلي. سعاد، سيدة مسنة تعيش وحدها، ترى فيه رفيقا يملأ الفراغ، لكنه يجعل اللقاءات العائلية أقل دفئا، كأن الجميع غرباء أمام شاشاتهم. هذه الشهادات تعكس كيف يغير الهاتف الذكي ديناميكية الأسرة، مع آثار تلامس كل الأعمار.

عوامل تحول الهاتف الذكي إلى هروب من الضغوط

الأزمات الاقتصادية في لبنان، مثل ارتفاع الأسعار ونقص الفرص الوظيفية، دفع الكثيرين إلى اللجوء للهاتف الذكي كمساحة ترفيهية وإخبارية؛ خاصة بعد جائحة كورونا، التي نقلت التعليم والعمل إلى المنصات الرقمية، فأصبح ضروريا أكثر. الخوارزميات في التطبيقات تملك القدرة على جذب الانتباه باستمرار عبر الفيديوهات والإشعارات، مما يحول الجهاز من أداة بسيطة إلى مصدر تحفيز دائم. استطلاع مركز بيو للأبحاث عام 2018 يظهر انتشارا هائلا في لبنان، حيث يمتلك 89% هاتفا خليويا و86% منهم ذكيا، أعلى نسبة بين 11 سوقا ناشئة؛ ومع ذلك، يعبر 79% عن قلق من تعرض الأطفال لمحتوى ضار، و56% من الإدمان وسرقة الهوية. هذه الأرقام تبرز كيف يفاقم الهاتف الذكي الضغوط النفسية بدلا من تخفيفها.

النسبة القلق الرئيسي
79% تعرض الأطفال لمحتوى ضار
56% الإدمان على الهاتف
56% سرقة الهوية

تأثيرات الهاتف الذكي على شرائح المجتمع

اختصاصي نفسي يؤكد أن الهاتف الذكي يؤثر على الجميع، لكن بأشكال مختلفة؛ فالأطفال يعانون تشتتا في الانتباه وتأخرا في المهارات الاجتماعية بسبب الاستخدام المبكر، بينما يواجه المراهقون ضغوطا نفسية من المقارنات على وسائل التواصل. البالغون يلاحظون تراجعا في جودة العلاقات الأسرية، مع ارتفاع القلق والإرهاق الذهني الذي ينعكس على الإنتاجية؛ أما كبار السن، فيجدون صعوبة في التعامل مع التطبيقات، مما يعرضهم للمضايقات والمعلومات المضللة، ويزيد عزلتهم الرقمية. هذه التأثيرات تشمل اضطرابات النوم وضعف التركيز، وتغييرات في السلوكيات العائلية.

إجراءات دولية للحد من مخاطر الهاتف الذكي

دول عديدة بدأت في مواجهة هذه المشكلات بقرارات صارمة؛ أوستراليا ستحظر حسابات الأطفال دون 16 عاما على تيك توك وفيسبوك ابتداء من 2025، مع غرامات تصل إلى 50 مليون دولار. فرنسا منعت الهواتف في المدارس الابتدائية والإعدادية، وراقبت الحسابات لمن هم دون 13؛ إيطاليا حددت 14 عاما كحد أدنى للحسابات، بينما تعمل النرويج والمملكة المتحدة على تقييد وقت الشاشة وتعزيز الرقابة الأبوية. هذه الخطوات تهدف إلى حماية الأجيال الشابة من الآثار السلبية.

  • حملات توعية في المدارس حول الاستخدام الصحي للهاتف الذكي.
  • تحديد أوقات يومية خالية من الشاشات داخل الأسر.
  • تطبيق قاعدة “ساعة عائلية بلا هواتف” لتعزيز الحوار.
  • دعم الأنشطة الرياضية والاجتماعية في الأحياء والنوادي.
  • تنظيم ورش لكبار السن حول الاستخدام الآمن للجهاز.

رغم فوائده، يظل الهاتف الذكي أداة تحتاج توازنا؛ فبتنفيذ هذه الإجراءات والتوصيات، يمكن استعادة التواصل الحقيقي دون فقدان الاتصال الرقمي، مما يحسن جودة الحياة اليومية في ظل التحديات.