أزمة الدراما السعودية.. لماذا تفتقر المسلسلات الجديدة للأفكار المبتكرة وتوقيتات العرض المناسبة؟

الدراما السعودية تعيش حاليًا حالة من الدوران في حلقة مفرغة جعلتها غير قادرة على ملاحقة قطار التنمية السريع الذي تشهده المملكة منذ عقد من الزمن؛ حيث لم تعد المضامين المقدمة تشبع ذائقة المشاهد الطموح الذي ينتظر تحولاً حقيقيًا يوازي النهضة الشاملة؛ مما جعل الإنتاج الفني يبدو باهتًا أمام المتغيرات الاجتماعية الثقافية المتسارعة.

أسباب تراجع مستويات الدراما السعودية وتكرار الأنماط

لقد تحولت أغلبية الإنتاجات المحلية إلى نسخ كربونية تعيد تدوير الأفكار القديمة تحت مسميات براقة؛ إذ يلاحظ المتابع غلبة الحلقات المنفصلة التي تغلف بإطار كوميدي بهدف تقليص النفقات المادية واختصار الجهد الذهني المبذول؛ وهذا التوجه أدى إلى تهميش الأعمال التراجيدية التي تتطلب حبكة رصينة وبناءً دراميًا محكمًا يربط بين الشخصيات ببراعة؛ مما يدفع المنتجين للهرب نحو الأعمال السهلة التي تتيح لهم الاستعانة بطواقم تمثيلية كبيرة مقابل أجور متواضعة لضمان الربحية السريعة على حساب الجودة الفنية؛ وهو ما يضعف من هيكلية الدراما السعودية ويجعلها تراوح مكانها دون تقديم بصمة فنية مبتكرة تعكس الواقع المعاصر بأدوات احترافية حديثة وذكية.

تحديات التطوير في ظل سيطرة قوالب الدراما السعودية القديمة

بالرغم من الدعم الكبير الذي توفره وزارة الثقافة والهيئات المتخصصة لقطاع الفنون في المملكة؛ لا تزال الدراما السعودية حبيسة عباءة الماضي الذي جسدته أعمال مثل طاش ما طاش وغيره من المسلسلات التي تنتمي لحقبة زمنية انقضت؛ حيث نجد إصرارًا غريبًا على محاكاة تلك الأساليب دون أي تجديد حقيقي في الأدوات أو الرؤية الإخراجية؛ فالمشاهد يرى الوجوه نفسها والديكورات المكررة التي تفتقر للإبداع الفني المطلوب في مشهدنا الحالي؛ ولتوضيح الاختلاف بين المتطلبات الراهنة وما يتم تقديمه يمكننا النظر في الجدول التالي:

عنصر التقييم الواقع الدرامي الحالي المأمول في المستقبل
نوعية النصوص ارتجالية وكوميديا خفيفة نصوص أدبية وتراجيديا عميقة
طريقة الإنتاج حلقات منفصلة وتصوير سريع حبكة متصلة وإنتاج سينمائي
فترة الاستعداد تبدأ قبل رمضان بشهرين تخطيط سنوي وتجهيز مبكر جداً

المسؤولية المشتركة في صناعة محتوى الدراما السعودية

إن عبء النهوض بالصناعة لا يقع على عاتق المؤلف أو الممثل وحده؛ بل هو مسؤولية تضامنية تشترك فيها القنوات التلفزيونية التي تماطل في إصدار التعميدات النهائية للأعمال حتى اللحظات الأخيرة قبل شهر رمضان؛ وهذا التأخير يضع صناع الدراما السعودية في مأزق ضيق الوقت الذي يقتل فرص التميز والبحث عن أماكن تصوير استثنائية؛ وللخروج من هذا النفق المظلم والمنافسة بقوة على المستوى العربي يجب اتباع المسارات التالية:

  • التحضير للموسم الرمضاني منذ وقت مبكر لضمان جودة التنفيذ.
  • تحويل الروايات والقصص السعودية الناجحة إلى سيناريوهات تلفزيونية.
  • الابتعاد عن الكوميديا الارتجالية التي قد تسقط في فخ التهريج.
  • منح المنتجين مساحة زمنية كافية لتطوير الأفكار واختيار الكوادر.
  • الاستثمار في أسماء شابة جديدة لكسر حاجز النمطية في الوجوه.

تتطلب المرحلة المقبلة شجاعة في تغيير نمط التفكير الفني والإنتاجي لتصحيح مسار الدراما السعودية بكل تفاصيلها. إن استغلال الثروة الأدبية المحلية ومنح المبدعين الوقت الكافي للعمل سيضمن تقديم محتوى يحترم عقل المشاهد وينافس المحيط الإقليمي بجدارة واقتدار بعيدًا عن الارتجال.