طقوس مفقودة.. كيف تغيرت احتفالات رأس السنة الفيتنامية بعد اندثار رعي الجاموس؟

عيد رأس السنة الفيتنامية هو الموعد الذي لا تعلن عنه التقاويم الورقية المعلقة على الجدران بقدر ما تعلنه ملامح القلق والترقب على وجوه الكبار في بيوتنا؛ حيث كان والدي يقف صامتا على الشرفة يراقب الحقول المحصودة بقايا القش الجاف، بينما تنشغل أمي بإحصاء الديون المستحقة استعدادا لتأمين مستلزمات الاحتفال. كانت ذكريات عيد رأس السنة الفيتنامية ترتبط دائما بتجهيز قدور الطبخ العسكرية الضخمة لغلي كعك الأرز اللزج، وتجهيز الديوك للقرابين في أجواء تمزج بين القداسة والبهجة العائلية البسيطة التي ميزت طفولتنا البعيدة.

طقوس التحضير لاستقبال عيد رأس السنة الفيتنامية

ارتبط الفرح في مخيلتنا كأطفال بتنفيذ مهام قاسية تسبق الاحتفالات؛ إذ كان خروجنا للعب مع الأصدقاء مشروطا بجمع كميات وافرة من العشب تكفي لإطعام الجواميس طوال عطلة تيت الرسمية. كنا نخوض في حقول تاي نغوين المتجمدة تحت رياح الشتاء القارص بأيد مرتجفة من البرد؛ حيث نجمع حزم الأعشاب الجافة من الغابات البعيدة والمنحدرات الوعرة لضمان وقت الفراغ اللاحق. تلك المشقة كانت الثمن الذي ندفعه بفخر لنحظى بفرصة ارتداء الملابس الجديدة الواسعة، والاستمتاع بمهرجانات القرية دون أي التزامات عملية تعكر صفو أيام عيد رأس السنة الفيتنامية المنتظرة.

مظاهر الطهي التقليدي في عيد رأس السنة الفيتنامية

تتغير كيمياء المنزل تماما مع اقتراب اللحظات الحاسمة؛ إذ يجتمع الجيران مع والدي لذبح الخنازير وإعداد الولائم الفاخرة لطقوس عبادة الأجداد، بينما يملأ دخان المطبخ الأرجاء ليعطي اللحم المعلق رائحة مميزة تعلن للجميع أن العيد قد حل فعليا. تضمنت تحضيرات مائدة عيد رأس السنة الفيتنامية قائمة مأكولات تقليدية تُصنع يدويا في المنازل ولا تُطلب من الأسواق، ومن أبرزها ما يلي:

  • كعكات الشيح ذات النكهة الجبلية الفريدة.
  • كعك الأرز اللزج الطويل الذي يتطلب يوما كاملا من النقع والغلي.
  • أطباق اللحم الهلامي المحفوظة في أوعية صغيرة داخل خزانة المطبخ.
  • مربى الجوز والزنجبيل المجفف الممزوج بالسكر.
  • الفول السوداني المغطى بطبقة رقيقة من الدقيق الأبيض اللامع.

تلاشي البهجة وذكريات عيد رأس السنة الفيتنامية الأخيرة

مرحلة العيد الحالة العامة والمشاعر
ليلة رأس السنة سهر جماعي وترقب مقدس حول مواقد النار الساطعة
أيام الزيارة تبادل مغلفات النقود الجديدة وتناول الحلوى ببطء شديد
عصر اليوم الثالث ظهور ملامح الحزن مع بدء نفاد اللحوم والحلويات

يبدأ الشعور بالانكسار في عصر اليوم الثالث حين تلوح في الأفق بوادر العودة إلى العمل الشاق في حقول الشاي؛ حيث يتبادل الأطفال نظرات الوداع للاسترخاء قبل العودة لرعي الجواميس وحمل الكتب المدرسية القديمة. كانت أمانينا الساذجة تتلخص في العودة إلى يوم الثلاثين من الشهر لرؤية العائلة مجتمعة حول المائدة مرة أخرى قبل أن يسرقنا الروتين اليومي الرتيب. اليوم نعيش أعيادًا أكثر ثراءً ورفاهية من الناحية المادية؛ لكننا نفتقد ذلك الشوق العميق والترقب الطويل الذي جعل من عيد رأس السنة الفيتنامية في طفولتنا حدثا استثنائيا يوازي عاما كاملا من الصبر والانتظار الجميل.

شكل عيد رأس السنة فيتنامية محوريا في تشكيل وجداننا الجماعي وعلاقتنا بالأرض والأسرة؛ فرغم الفقر ومطاردة الأعشاب في الصقيع، بقيت تلك اللحظات هي الأكثر دفئا في الذاكرة. نحن لا نحن إلى الطعام أو الملابس بقدر حنيننا لتلك الألفة الصادقة والوقت الذي كان يتوقف فيه الزمن لنكون معا.