لحن نص قرآني.. فنان عربي يثير موجة غضب واسعة بسبب تصرفه المثير للجدل

قضية مارسيل خليفة لم تكن مجرد حادثة عابرة في تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة؛ بل مثلت انعطافة كبرى في طبيعة العلاقة بين الإبداع الفني والموروثات العقائدية الراسخة. بدأت الحكاية حينما قرر الفنان اللبناني استحضار روح القصيدة الفلسطينية عبر ألحانه، لكنه وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع السلطات القانونية والدينية التي رأت في عمله تجاوزًا للخطوط الحمراء المرسومة حول النص المقدس، مما فتح بابًا من الجدل الذي امتد لسنوات طويلة بين مؤيد للحرية ومعارض للمساس بالثوابت.

جذور نشأة قضية مارسيل خليفة الفنية

تعود تفاصيل الأزمة إلى أواخر التسعينيات حين طرح الفنان ألبومه جدل، والذي تضمن مقطوعة ملحنة لقصيدة أنا يوسف يا أبي للشاعر محمود درويش؛ حيث تدمج القصيدة في ثناياها آية من سورة يوسف وهو ما اعتبرته المؤسسة الدينية خرقًا لقدسية القرآن. لم تتوقف قضية مارسيل خليفة عند حدود النقد الفني، بل تحولت سريعًا إلى دعوى قضائية حركتها دار الفتوى اللبنانية، متهمة الفنان بإهانة الشعائر الدينية وتدنيس النص الإلهي عبر وضعه في قالب غنائي وموسيقي لا يتناسب مع جلال الآيات القرآنية.

تأثير قضية مارسيل خليفة على الشارع العربي

أحدث المحاكمة انقسامًا حادًا في الأوساط الثقافية والشعبية، حيث رأت فئة واسعة أن الفنان وظف النص في سياق يخدم المعاناة الإنسانية والرمزية التاريخية، بينما تمسكت فئة أخرى بضرورة عزل النص القرآني عن التداول الفني الغنائي. تضمنت تداعيات تلك المرحلة عدة نقاط مفصلية صاغت المشهد الثقافي آنذاك:

  • تحول قاعات المحاكم إلى منابر للدفاع عن حرية التعبير الفني.
  • صدور بيانات تضامنية من كبار الأدباء والمثقفين العرب من المحيط إلى الخليج.
  • تصدر أخبار المحاكمة للصفحات الأولى في الصحف العالمية بوصفها اختبارًا للديمقراطية.
  • تأكيد الشاعر محمود درويش على الطبيعة الرمزية للنص ورفضه للتفسيرات الحرفية الضيقة.
  • ظهور موجة من النقاشات الفلسفية حول حدود العلاقة بين الفن والمقدس في المجتمعات الشرقية.

أبعاد الحكم القضائي في قضية مارسيل خليفة

شكل صدور حكم البراءة في عام ألفين وثلاثة لحظة تاريخية للفن الملتزم، إذ رأت المحكمة أن النية الجرمية لم تكن متوفرة، وأن العمل الفني اتسم بالرصانة والتقدير ولم يقصد به الاستهزاء أو الحط من شأن الدين. إن قضية مارسيل خليفة وضعت محددات قانونية جديدة في التعامل مع قضايا حرية الرأي، وأثبتت أن التكييف القانوني للفعل الإبداعي يحتاج إلى نظرة شمولية تراعي السياق الثقافي والجمالي وليس فقط التفسيرات اللفظية الجامدة للنصوص القانونية المنظمة للحياة العامة.

العنصر المفصلي التفاصيل الموثقة
المحرض الأساسي تلحين آية من سورة يوسف في قالب غنائي
الطرف المدعي النيابة العامة الاستئنافية بناء على إخبار من دار الفتوى
تاريخ الحسم البراءة القطعية من التهم المنسوبة في 2003

تبقى هذه التجربة الفنية المريرة منارة لكل من يبحث في تاريخ التدافع بين السلطة الدينية والحرية الفكرية، حيث تجاوزت في أهميتها شخص الفنان لتصبح ملكية عامة في ذاكرة الحقوق والحريات. لقد علمتنا تلك الأحداث أن الحوار الهادئ والعقلاني هو السبيل الوحيد لفهم المقاصد الإبداعية بعيدًا عن لغة المنع أو المصادرة الأمنية والقانونية.