في ذكرى رحيل آسيا داغر.. كيف صنعت نجوم العصر الذهبي رغم أميتها؟

آسيا داغر، الرائدة التي رسمت ملامح السينما العربية بيديها؛ في ذكرى رحيلها قبل أكثر من ثلاثة عقود، تبرز قصتها كدليل على إصرار المرأة في وجه التحديات، حيث تحولت من أرملة لبنانية بسيطة إلى عميدة الإنتاج السينمائي، دون أن تتقن القراءة أو الكتابة في البداية؛ رحلت في 12 يناير 1986 عن 85 عامًا، تاركة إرثًا يجسد تضحياتها لصالح الإبداع، ودورها في نشر الفن المصري عالميًا، معتمدة على حدسها الفطري لصناعة نجوم العصر الذهبي.

بدايات آسيا داغر من لبنان إلى قلب مصر

ولدت آسيا داغر، أو ألماظة غصون داغر كما هو اسمها الحقيقي، في 18 أبريل 1901 بقرية تنورين اللبنانية؛ نشأت وسط صعوبات شديدة، إذ تزوجت في سن مبكرة وفقدت زوجها خلال الاضطرابات الناتجة عن الاحتلال الفرنسي، فأصبحت أرملة مسؤولة عن ابنتها الوحيدة منى؛ دفعها الواقع إلى الهجرة نحو مصر عام 1923 بحثًا عن حياة أفضل، حيث استقرت أولاً في الإسكندرية برفقة ابن عمها الصحفي أسعد داغر وابنة شقيقتها ماري كويني؛ سرعان ما انتقلت إلى القاهرة، وانخرطت في الوسط الفني الناشئ بفضل ذوقها الرفيع، فتشارك في فيلم «ليلى» عام 1927، الذي يُعد من روائع السينما الصامتة، ويُلقبها ذلك بأم السينما المصرية بعد جهودها الدؤوبة للاندماج والتألق في مجال يسيطر عليه الرجال آنذاك.

دور آسيا داغر في تأسيس إمبراطورية لوتس فيلم

في خطوة جريئة عام 1927، أقامت آسيا داغر شركة «لوتس فيلم» للإنتاج والتوزيع، والتي تحولت إلى حصن يحمي الصناعة السينمائية المصرية من التراجعات؛ كان فيلم «غادة الصحراء» عام 1929 أول إنتاجاتها، حيث حقق نجاحًا خارجيًا في دمشق وبيروت، مما أكسبها وسام الاستحقاق السوري؛ تلاه «وخز الضمير» عام 1931، الذي صُور في الأقصر وأسوان ليروج للتراث المصري، فمنحها ذلك الجنسية المصرية تقديرًا لجهودها في تعزيز السياحة؛ شكلت آسيا داغر ثلاثيًا مثمرًا مع ماري كويني والمخرج أحمد جلال، وقدّموا أعمالًا تتناول هموم المرأة وتضحياتها، مثل «عندما تحب المرأة»، مما عزز من مكانتها كقوة دافعة في تطوير السينما العربية خلال فترة الركود الاقتصادي.

اكتشافات آسيا داغر للنجوم والمبدعين البارزين

برزت آسيا داغر بعينها الثاقبة في تمييز المواهب، فلم تقتصر على الوجوه المعروفة بل أطلقت عباقرة غيّروا مسار الفن؛ من ذلك، أدخلت المخرج هنري بركات عبر فيلم «الشريد» عام 1942، كما فتحت الأبواب لمخرجين كبار مثل حسن الإمام وكمال الشيخ؛ في مجال التمثيل، كانت هي من صدّقت على موهبة صباح المعروفة بشحرورة الوادي، وساعدت في إطلاق فاتن حمامة سيدة الشاشة العربية؛ لتوضيح مساهمتها، إليك قائمة ببعض الاكتشافات الرئيسية:

  • هنري بركات كمخرج في «الشريد»، الذي أصبح أيقونة السينما.
  • حسن الإمام، الذي طور أفلامه الاجتماعية تحت رعايتها.
  • كمال الشيخ، مع إنتاجاته البارزة في الدراما.
  • صباح، بدايتها الفنية بفضل دعم آسيا داغر.
  • فاتن حمامة، التي أطلقت مسيرتها اللامعة من خلال أدوارها الأولى.

هذه الخطوات لم تكن صدفة، بل نتاج إيمانها بالإمكانيات الخفية، مما جعلها صانعة لأجيال من النجوم.

رؤية آسيا داغر في الأفلام التاريخية والقومية

اتجهت آسيا داغر نحو الإنتاجات الملحمية برؤية وطنية عميقة؛ أنتجت «شجرة الدر» عام 1935 كأول فيلم تاريخي مصري ناطق، يروي قصصًا من الماضي؛ تبعه «أمير الانتقام» عام 1950، الذي يُصنف كلاسيكيًا خالدًا؛ ثم «رد قلبي» عام 1957، الذي وثّق ثورة يوليو ودُخل ضمن أفضل 100 فيلم مصري؛ ذروة مسيرتها جاءت مع «الناصر صلاح الدين» عام 1963، بميزانية هائلة بلغت 200 ألف جنيه تحت إخراج يوسف شاهين، رغم أنه أدى إلى إفلاسها وحجز ممتلكاتها، إلا أنها اعتبرته تحقيقًا لرسالتها القومية؛ لتلخيص إنجازاتها في هذا المجال، يمكن عرضها في الجدول التالي:

الفيلم السنة والأهمية
شجرة الدر 1935؛ أول تاريخي ناطق، يعكس التراث.
أمير الانتقام 1950؛ كلاسيكي ملحمي يروي الانتقام.
رد قلبي 1957؛ وثيقة ثورية ضمن أفضل 100 فيلم.
الناصر صلاح الدين 1963؛ إنتاج ضخم قومي، رغم التكلفة.

خلال مسيرة امتدت لأكثر من خمسة عقود، جمعت آسيا داغر تكريمات عديدة تعكس تأثيرها؛ منها جائزة الدولة للرواد في اليوبيل الذهبي للسينما، ووسام الاستحقاق اللبناني، بالإضافة إلى الجائزة الأولى عن «حياة أو موت» و«رد قلبي»؛ كما حصلت على تكريم من جامعة الدول العربية لدورها في «الناصر صلاح الدين»، مما يؤكد مكانتها كرمز للريادة النسائية والفنية في الشرق الأوسط.