انهيار حاد.. الاقتصاد السوري يواجه موجة تشوهات تعيد تشكيل ملامح الأسواق المحلية

تثبيت سعر الصرف هو النهج الذي اختارته السلطة السياسية في لبنان للتعامل مع تداعيات الانهيار المالي الكبير، حيث يبدو هذا السلوك محاولة لاستعادة نموذج اقتصادي قديم أثبت فشله سابقًا؛ إذ يتم التركيز على دعم العملة لتعزيز الاستهلاك المستورد دون الالتفات إلى ضرورة بناء قاعدة إنتاجية وطنية صلبة تحمي الاقتصاد من الصدمات الخارجية.

تأثير تثبيت سعر الصرف على هيكلية الاقتصاد المشوه

إن العودة إلى سياسة تثبيت سعر الصرف في الوقت الراهن تعيد إنتاج الأزمات الهيكلية التي عانى منها لبنان لعقود، فالواقع يشير إلى أن المصارف اللبنانية لم تعد قادرة على جذب رؤوس الأموال كما في السابق؛ مما دفع مصرف لبنان إلى استخدام أدوات جديدة تتمثل في حجز السيولة بالليرة اللبنانية لرفع قيمتها السوقية بشكل اصطناعي يجعلها أعلى من قيمتها الفعلية، ومن خلال هذه الآلية يظهر أن سعر الصرف الحالي ليس نتاج تعافٍ حقيقي بل هو نتيجة تدخلات تقنية تهدف إلى خلق استقرار هش؛ وهو ما يؤدي إلى تضخم القوة الشرائية لليرة بشكل وهمي يشبه تمامًا الوضع الذي ساد قبيل انفجار الأزمة في عام ألفين وتسعة عشر.

مخاطر تثبيت سعر الصرف في ظل الدولرة الشاملة

تختلف النسخة الحالية من النظام النقدي عن سابقتها بكونها تجري في بيئة اقتصادية مدولرة بالكامل تقريبًا، حيث انتقلت الدولرة من الميزانيات المصرفية إلى التعاملات اليومية والأجور والأسعار في الأسواق؛ مما جعل دور تثبيت سعر الصرف يقتصر على تأمين غطاء للاستهلاك المفرط وزيادة مستويات الاستيراد التي تستنزف ما تبقى من عملات أجنبية، وهناك عوامل مرتبطة بهذا النهج تزيد من حدة التشوهات الاجتماعية وهي:

  • فقدان المدخرات التاريخية للطبقة الوسطى بشكل نهائي.
  • اتساع الفجوة بين الأجور المتدنية وتكاليف المعيشة المرتفعة.
  • اعتماد الاقتصاد بشكل مفرط على تحويلات المغتربين لتمويل البقاء.
  • تراجع قدرة القطاعات الإنتاجية على خلق فرص عمل مستدامة.
  • هجرة الكفاءات البشرية لمواجهة انعدام آفاق النمو المستقبلي.

كيف يغير تثبيت سعر الصرف مستويات التضخم؟

لا تعني سياسة تثبيت سعر الصرف بالضرورة انخفاض الأسعار في الأسواق اللبنانية المفتوحة، فالاحتكارات التجارية الكبرى تتحكم في مفاصل التوزيع وتعتمد تسعيرًا وقائيًا يتجاوز القيمة الفعلية لليرة مقابل الدولار؛ الأمر الذي يفسر لماذا ارتفعت الأسعار بنسب تفوق بكثير نسب انهيار العملة خلال السنوات الماضية، والجدول التالي يوضح بعض الفوارق الإحصائية بين مؤشرات التضخم وسعر الصرف:

المؤشر الاقتصادي نسبة الارتفاع التقديرية
سعر صرف الدولار مقابل الليرة 6000% منذ نهاية 2017
المستوى العام لأسعار المستهلك 8000% تقريبًا
الفارق بين الأسعار وانهيار العملة 30% زيادة إضافية

إن الاستقرار النقدي الظاهري الذي تحاول السلطة تسويقه لا يعكس تعافيًا في مستوى المعيشة بل يرسخ واقعًا تكون فيه السلع الأساسية أغلى من القدرة الفعلية للمواطنين؛ حيث يظل تثبيت سعر الصرف مجرد أداة لتأجيل الحلول الجذرية وتوزيع أعباء الأزمة بشكل غير عادل على الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع اللبناني.