الشروط والأحكام.. موافقة سريعة قد تشرع الباب لاختراق بياناتك ا…
عمان – يفتح أحمد هاتفه، ويحمّل تطبيقا جديدا، فتظهر له شاشة طويلة تمتلئ بالنصوص الصغيرة، وفي أسفلها زر أزرق كبير يحمل عبارة: “أوافق على الشروط والأحكام”.اضافة اعلان
لا يتوقف، ولا يقرأ، ولا يفكر؛ فقط يضغط على “الموافقة” في أقل من ثانية، وكأنه يوقّع على عقد لا يعرف محتواه، ولا ما الذي تنازل عنه بهذه الموافقة السريعة.
في الحقيقة، لا يمكن وصف أحمد بغير المبالي؛ فهو، كأي شخص آخر، يعيش في عالم لم يعد فيه وقت للقراءة، ولا صبر للتفكير أو الرفض.
قصة أحمد ليست استثناء في هذا الزمن الرقمي، بل طقس يومي يمارسه الملايين حول العالم من دون أن يدركوا ثقله أو عواقبه. فالتطبيقات البنكية، والمنصات الترفيهية، وأدوات الذكاء الاصطناعي، جميعها تشترك في شيء واحد: شروط استخدام طويلة ومعقدة، مكتوبة بلغة قد لا يفهمها إلا المتخصصون، ومصممة، في جوهرها، لتُقرأ بأقل قدر ممكن.
شروط لا تُقرأ وإذن باختراق هواتفنا
وبين كل ضغطة “موافقة” وأخرى، يتنازل المستخدم عن شيء لا يعرفه لصالح جهة لا يعرفها، وبشروط لم يقرأها.
ووفق مختصين في المجالات الرقمية والقانونية، فإن هذا التنازل الصامت يتكرر عشرات المرات في حياة كل منا من دون أن نلتفت إليه، مانحين بذلك الإذن باختراق هواتفنا وبياناتنا بتوقيع منا تحت عنوان: “أوافق على الشروط والأحكام”.
ويقول متخصص أمن المعلومات خالد العمد: “إن المشكلة ليست في وجود الشروط وحدها، بل في طريقة تصميمها وتقديمها للمستخدم. فالشركات تعرف تماما أن أحدا لن يقرأ، وهي تبني استراتيجيتها على ذلك. تُكتب الشروط بلغة قانونية معقدة، وبخط صغير، ضمن صفحات طويلة، وفي لحظة يريد فيها المستخدم شيئا واحدا فقط، وهو البدء باستخدام التطبيق. وهذا التصميم ليس صدفة”.
ويضيف العمد أن كثيرا من هذه الشروط تتضمن بنودا تمنح التطبيق صلاحية الوصول إلى جهات الاتصال، والموقع الجغرافي، والميكروفون، وأحيانا الكاميرا، من دون أن يدرك المستخدم أنه أذن بذلك.
ويلفت إلى أن كثيرا من التطبيقات الترفيهية البسيطة تطلب صلاحيات لا علاقة لها بوظيفتها الأساسية، لكن المستخدم يوافق لأنه لم يقرأ، ولأن الخيار الوحيد أمامه هو القبول أو عدم تحميل التطبيق.
قاعدة بيانات لا يعرف المستخدم أين تذهب
ويؤكد أن المسألة تتفاقم حين يتعلق الأمر بتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي انتشرت بشكل لافت خلال الأعوام الأخيرة؛ فبعض هذه التطبيقات تنص صراحة، في شروطها، على أن المحادثات التي يجريها المستخدم قد تُستخدم لتدريب النماذج أو قد تُشارك مع أطراف ثالثة.
ويبين أن المعلومات الشخصية، والمشكلات العائلية، والاستفسارات الطبية والقانونية والمالية، كلها قد تصبح جزءا من قاعدة بيانات لا يعرف المستخدم أين تذهب، ولا من يمكنه الوصول إليها. والأخطر أن هذا كله قانوني تماما، لأن المستخدم وافق.
ومن الناحية القانونية، توضح المحامية روان حامد أن الوضع الراهن يكشف عن فجوة حقيقية وخطيرة في منظومة حماية المستهلك الرقمي.
وتوضح أن الموافقة على الشروط تعني، نظريا، قبولها قانونيا وإلزام المستخدم بها، لكن من الناحية العملية، حين تكون الشروط بهذا التعقيد والطول، فإن الموافقة تفقد معناها الحقيقي.
وتقول: “لا يمكن أن نقول إن شخصا وافق على شيء لم يفهمه ولم يقرأه؛ فالموافقة الحقيقية تستلزم الفهم، والفهم يستلزم وضوح المعلومة، وهذا تحديدا ما تتجنبه الشركات”.
الفراغ التشريعي فرصة تستغلها الشركات
وتشير حامد إلى أن بعض دول الاتحاد الأوروبي بدأت تتحرك بجدية في هذا الاتجاه، إذ تلزم قوانين حماية البيانات الشركات بتقديم ملخصات واضحة وبسيطة لشروط الاستخدام قبل طلب الموافقة، كما تمنح المستخدم حق سحب موافقته في أي وقت.
لكن في كثير من دول المنطقة العربية، ما يزال هذا الملف يفتقر إلى تشريعات واضحة وصارمة تحمي المستخدم من توقيع ما لا يعلم ولا يفهم.
وتؤكد حامد أن هذا الفراغ التشريعي ليس مجرد ثغرة، بل فرصة تستغلها الشركات بوعي كامل.
أما الإشكالية الأعمق التي يطرحها العمد، فهي إشكالية الخيار نفسه؛ إذ يوضح أن المستخدم، في كثير من الأحيان، لا يكون أمامه خيار حقيقي. فالتطبيق البنكي الذي يحتاجه للوصول إلى راتبه، أو تطبيق التواصل الذي يستخدمه محيطه الاجتماعي والمهني، يجعل رفض الشروط بمثابة عزلة رقمية كاملة، ما يحول الموافقة، في حقيقتها، إلى إذعان لا اختيار، وقبول مُكره لا طوعي.
انتهاك واضح لخصوصية الأفراد
ويشير العمد إلى وجود بعض الحلول التي يمكن أن تحد من انتهاك خصوصية الأفراد أثناء استخدام هذه التطبيقات، من خلال الانتباه إلى الصلاحيات الممنوحة، وقراءة الملخصات الأساسية للشروط، وتعطيل الوصول غير الضروري إلى البيانات الحساسة كلما أمكن.
ويوضح أن المستخدم يستطيع الدخول إلى إعدادات التطبيقات في الهاتف، وهناك يمكنه الإبقاء على الأذونات التي يراها مناسبة أو إلغاء تلك التي لا يجد لها ضرورة.
فعلى سبيل المثال، يتساءل: لماذا يحتاج تطبيق لتعلم اللغة الإنجليزية إلى الوصول إلى ألبوم الصور؟ ويشير إلى أن هذه الخاصية يمكن تعطيلها بسهولة من الإعدادات.
ويعطي مثالا آخر يتعلق بتطبيقات الألعاب التي لا تحتاج إلى الصوت أو الصور أو الكاميرا، متسائلا: لماذا تبقى الكاميرا والمايكروفون على وضع التشغيل؟ ويؤكد ضرورة تعديل إعدادات كل تطبيق بحسب استخدامه الفعلي وما يحتاجه الشخص فقط. كما يشدد على أهمية أن تكون أذونات التطبيقات التي تتعامل مع الصور محددة مسبقا، وألا تُمنح صلاحية الوصول إلى جميع الصور حفاظا على الخصوصية.
مسؤولية أخلاقية وقانونية
على الشركات
من جهتها، ترى المحامية روان حامد أن هذا الواقع يضع مسؤولية أخلاقية وقانونية على الشركات قبل الجهات التشريعية.
وتؤكد أن الشركة التي تدرك أن المستخدم لن يقرأ، ثم تستغل ذلك لتمرير بنود لو فهمها لرفضها، تمارس شكلا من أشكال الاستغلال المنظم الذي ينبغي أن تُحاسب عليه.
وتضيف أن المستخدم الفرد لا يستطيع وحده تغيير هذه المعادلة، لكنه يستطيع أن يكون أكثر وعيا بما يوقّع عليه، وأن يطالب بحقه في الفهم قبل الموافقة.
وبشكل عام، لا يدعو المختصون إلى مقاطعة التطبيقات، لكنهم يقدمون خطوات عملية يمكن أن تُحدث فرقا؛ إذ ينصح العمد بالبحث عن ملخصات لشروط الاستخدام تنشرها مواقع متخصصة، ومراجعة الصلاحيات التي يطلبها كل تطبيق من خلال إعدادات الهاتف، وحذف ما هو غير ضروري لعمله الأساسي.
فرض تشريعات صارمة لحماية البيانات
أما حامد، فترى أن الضغط الحقيقي يجب أن يكون جماعيا ومنظما؛ فعندما يطالب المستخدمون علنا بشروط مفهومة ومختصرة، وحين تتبنى الجهات التشريعية هذا المطلب وتحوله إلى قانون، عندها فقط يمكن أن تتغير المعادلة.
ويرى خبير الاتصالات والتكنولوجيا وصفي الصفدي أن الموافقة على سياسات الخصوصية في التطبيقات الذكية أصبحت شكلية أكثر منها واعية، بسبب طول وتعقيد الشروط واعتماد المستخدمين على الخدمات بوصفها ضرورة يومية، ما أفرغ مفهوم “الموافقة المستنيرة” من مضمونه. ورغم محاولات متاجر التطبيقات، مثل Apple Privacy Labels وGoogle Play Data Safety، تقديم شفافية أفضل، فإنها ما تزال سطحية مقارنة بتفاصيل الاستخدام الفعلية للبيانات.
ويؤكد الصفدي أن المشكلة الجوهرية تكمن في اختلال ميزان القوة بين المستخدم والمنصات، حيث لا يملك المستخدم خيارا حقيقيا سوى القبول أو الحرمان.
ويقترح الانتقال إلى نموذج تحكم مرن بالبيانات، قائم على تقسيم واضح لأنواع المعلومات، ومنح المستخدم حق تحديد ما يُجمع وما يُستخدم ولأي غرض، مع إمكانية تعديل الخيارات لاحقا، وإلزام التطبيقات بإعادة طلب الموافقة عند أي تغيير جوهري.
كما يشير الصفدي إلى أهمية دور الدولة في فرض تشريعات صارمة لحماية البيانات، باعتبارها جزءا من السيادة الرقمية، مع ضمان عدم تحول الحماية إلى حصانة تمنع ملاحقة الجرائم الإلكترونية، مثل الاحتيال، والابتزاز، وغسل الأموال، واستغلال الأطفال.
ويخلص إلى أن التحدي الحقيقي لم يعد تقنيا فقط، بل يتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمنصات الرقمية ضمن توازن يحفظ الخصوصية من دون تعطيل العدالة أو الأمن الرقمي.

