من صدمات الحرب إلى خدمة الدين.. إلى أين تتجه بوصلة المركزي في اجتماع الخميس؟

من صدمات الحرب إلى خدمة الدين.. إلى أين تتجه بوصلة المركزي في اجتماع الخميس؟

تترقب أسواق المال اجتماع البنك المركزي الثالث خلال عام 2026 لحسم مصير أسعار الفائدة، في ظل الضغوط التضخمية جراء التطورات الاقتصادية والإقليمية المتسارعة التي ألقت بظلالها على الاقتصاد المحلي.

موعد اجتماع البنك المركزي المصري المقبل 2026

وبحسب جدول اجتماعات لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي، فإن موعد الاجتماع الثالث هذا العام هو الخميس المقبل، لحسم مصير أسعار الفائدة بعد قرار اللجنة في 2 أبريل الماضي الإبقاء عليها عند سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 19%، وسعر عائد الإقراض لليلة واحدة إلى 20%، فيما بلغ سعر العملية الرئيسية للبنك المركزي 19.5%.

البنك المركزي المصري

من جانبه، أكد الخبير المصرفي عز الدين حسانين أن توجه السياسة النقدية لدى البنك المركزي المصري خلال المرحلة الحالية يعكس حالة من التوازن الحذر بين مكافحة التضخم والحفاظ على استقرار النشاط الاقتصادي، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الضغوط التضخمية الحالية يرتبط بصدمات من جانب العرض وليس بزيادة الطلب أو السيولة داخل الأسواق.

اقرأ أيضاً
"بلج آند بلاي": حصر نجاح الشركات في التقييم الدولاري يظلم السوق المحلي

"بلج آند بلاي": حصر نجاح الشركات في التقييم الدولاري يظلم السوق المحلي

الضغوط التضخمية الحالية 

تباطأ معدل التضخم السنوي للحضر في مصر إلى 14.9% في أبريل، مقارنة بـ15.2% في مارس، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وعلى أساس شهري، سجلت الأسعار ارتفاعًا بنسبة 1.1% في أبريل مقابل 3.2% في مارس، ما يعكس تباطؤًا في وتيرة ارتفاع الأسعار.
وأوضح حسانين، أن ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء وتكاليف النقل ومدخلات الإنتاج يمثل المحرك الرئيسي لموجة التضخم الحالية، مؤكدًا أن أدوات السياسة النقدية التقليدية، وعلى رأسها رفع أسعار الفائدة، تصبح أقل تأثيرًا في مثل هذه الحالات، خاصة عندما ترتبط الزيادات بعوامل عالمية أو بارتفاع تكاليف الإنتاج المحلية.
وشهدت أسعار المنتجات البترولية في مصر زيادات ملحوظة خلال مارس الماضي، حيث ارتفع سعر السولار إلى 20.50 جنيه للتر، فيما صعد البنزين 95 إلى 24 جنيهًا، والبنزين 92 إلى 22.25 جنيه، والبنزين 80 إلى 20.75 جنيه، وذلك بنسب زيادات متفاوتة، وامتدت الزيادات إلى الغاز الطبيعي المستخدم في السيارات، الذي ارتفع إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب، إلى جانب زيادة أسعار أسطوانات البوتاجاز المنزلية والتجارية، في إطار مراجعات دورية للأسعار.

محطة وقود

وفي 4 أبريل الماضي قررت وزارة الكهرباء تثبيت أسعار شرائح الكهرباء على أول 6 شرائح للاستهلاك المنزلي، مع الإبقاء على دعم نسبي للفئات الأقل استهلاكًا، والتي تمثل نحو 40% من إجمالي المشتركين في مصر، حيث أشارت إلى أن 86% من هذه الفئة معفاة تمامًا من أي زيادة، بينما تركزت الزيادات على الشرائح الأعلى استهلاكًا بمتوسط يقارب 16% بالإضافة رفع العدادات الكودية إلى نظام الشريحة الموحدة حيث يتم توحيد سعر الكيلووات/ساعة ليصبح 2.74 جنيه بدلًا من 2.14 جنيه.
وفيما يخص القطاع التجاري، قررت الوزارة رفع أسعار مختلف الشرائح بنسب تصل إلى أكثر من 80% في إطار ما وصفته بسياسة إعادة هيكلة الدعم وتوزيع الأعباء بين الفئات المختلفة وفق القدرة الاستهلاكية والاستفادة من خدمة الكهرباء.

رفع أسعار الفائدة يؤدي إلى نتائج عكسية

وأضاف حسانين أن رفع أسعار الفائدة قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية، عبر زيادة تكلفة التمويل على الشركات والمصانع، ما ينعكس في النهاية على أسعار السلع النهائية للمستهلكين، وبالتالي قد يساهم في تعزيز الضغوط التضخمية بدلًا من احتوائها.
وأشار الخبير المصرفي في تصريحات لـ”تليجراف مصر”، إلى أن تأثير السياسة النقدية يحتاج إلى فترة زمنية حتى تظهر نتائجه الكاملة داخل الاقتصاد، لافتًا إلى أن الزيادات السابقة في أسعار الفائدة ما زالت آثارها قيد التشكل داخل الأسواق، وهو ما يدفع البنك المركزي إلى التريث ومراقبة تطورات التضخم قبل اتخاذ قرارات أكثر تشددًا.
وأكد أن الاقتصاد المصري يعتمد خلال المرحلة الراهنة بشكل كبير على جذب التدفقات النقدية الأجنبية، خاصة من خلال أدوات الدين الحكومية مثل أذون الخزانة والسندات، موضحًا أن الحفاظ على فائدة حقيقية موجبة يعد عنصرًا أساسيًا لدعم جاذبية الاستثمار في الجنيه المصري والحفاظ على استقرار سعر الصرف.

عدم اليقين في الأسواق الدولية 

ولفت إلى أن السياسة النقدية المصرية تتأثر كذلك بالتطورات الاقتصادية العالمية، خاصة قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى جانب حالة عدم اليقين في الأسواق الدولية وتقلبات أسعار الطاقة والغذاء، وهو ما يفرض على البنك المركزي المصري اتباع نهج أكثر حذرًا لتجنب أي خروج مفاجئ لرؤوس الأموال الأجنبية من السوق المحلية.
وفي سياق متصل أكد الخبير المصرفي، الدكتور أحمد شوقي، أن السياسات النقدية لا تُدار بمعزل عن التوازنات الاقتصادية، وإنما تستهدف تحقيق حالة من التوازن بين عدة اعتبارات، موضحًا أنه في حال اللجوء إلى رفع أسعار الفائدة بهدف احتواء الضغوط التضخمية، فإن هذا القرار يترتب عليه تأثيرات مباشرة ومزدوجة.

شاهد أيضاً

تشغيل محطة جديدة من الأتوبيس الترددي BRT.. تعرف على المكان والموعد 17/05/2026 11:00 ص أعلنت وزارة النقل، بناءً على توجيهات الفريق مهندس كامل الوزير، وزير النقل، عن دخول محطة "الجولف" ضمن مشروع الأتوبيس الترددي

حرب إيران

وأوضح شوقي لـ”تليجراف مصر” أن أول هذه التأثيرات يتمثل في زيادة أعباء الدين على الموازنة العامة للدولة وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا خاصة في ظل ارتفاع تكلفة خدمة الدين أما التأثير الثاني فيكمن في زيادة تكلفة التمويل على الشركات وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى تراجع هوامش أرباحها، مضيفًا أن الشركات في ظل ارتفاع تكلفة التمويل غالبًا ما تقوم بتمرير هذه الزيادات إلى المستهلك النهائي الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى زيادة معدلات التضخم، وهو ما يتعارض مع الهدف الأساسي من رفع أسعار الفائدة.

رفع أسعار الفائدة

وأشار الخبير المصرفي إلى أن رفع الفائدة رغم أهميته من الناحية النقدية في بعض الحالات، إلا أنه يُستخدم أيضًا كأداة لتقديم عائد إيجابي حقيقي للمودعين خاصة في ظل استحقاق بعض الشهادات الادخارية، حيث تسعى البنوك إلى الإبقاء على السيولة داخل الجهاز المصرفي من خلال تقديم حوافز وعوائد مناسبة للعملاء.
وقامت عدد من البنوك العاملة في القطاع المصرفي المصري وفي مقدمتها الأهلي ومصر والقاهرة برفع أسعار العائد على شهادات الادخار ليصل إلى 19%.
وتابع أن البنوك كانت في فترات سابقة تلجأ إلى تقديم حوافز غير تقليدية للعملاء، مثل الخدمات المصرفية المختلفة، بدلًا من رفع أسعار الفائدة بشكل مباشر، ولكن مع ارتفاع معدلات التضخم، أصبح من الضروري الحفاظ على عائد إيجابي حقيقي على المدخرات، مشددًا على أن الاعتماد على أدوات السياسة النقدية وحدها لمواجهة التضخم ليس كافيًا، مشيرًا إلى أن هذه السياسات تركز بشكل أكبر على الجانب النقدي بينما يجب أن يكون هناك دور موازٍ للسياسات المالية.

زيادة معدلات الإنتاج

وأوضح شوقي أن الحل الأكثر استدامة لمواجهة التضخم يتمثل في زيادة معدلات الإنتاج من خلال دعم الصناعة المحلية وتعزيز الاستثمار بما يؤدي إلى زيادة المعروض من السلع في السوق وبالتالي خفض الضغوط السعرية، مشيرًا إلى أن الاعتماد على الإنتاج المحلي حتى مع استيراد بعض مستلزمات الإنتاج، يساهم في تقليل الاعتماد على الواردات النهائية وهو ما يدعم استقرار الأسعار على المدى المتوسط والطويل.
وأضاف أن وجود ديون مرتفعة يعد أحد العوامل الرئيسية التي تؤثر على معدلات التضخم، مؤكدًا أن استمرار الاعتماد على أدوات الدين دون تعزيز الإنتاج الحقيقي قد يؤدي إلى استمرار الضغوط التضخمية.

توقعات اجتماع المركزي المقبل

وفيما يتعلق بتوقعات قرار لجنة السياسة النقدية المقبل، أوضح شوقي أن تحركات البنوك في الفترة الأخيرة تعطي مؤشرات مهمة حيث إن لجوء البنوك إلى تقديم أدوات ادخارية بعوائد مرتفعة قد يكون مؤشرًا على توجه لتثبيت أسعار الفائدة، وليس رفعها.
وأشار إلى أن قرار تثبيت أو تغيير أسعار الفائدة يرتبط بشكل أساسي بتطورات معدلات التضخم لشهر أبريل الجاري، مؤكدًا أن الاتجاه العام سيعتمد على ما إذا كان التضخم سيشهد ارتفاعًا أم سيظل عند مستوياته الحالية.
ولفت الخبير المصرفي إلى أنه في حال العودة إلى رفع الفائدة مرة أخرى، فإن ذلك سيؤدي إلى زيادة أعباء الدين بشكل كبير، وهو ما يتعارض مع محاولات الدولة لتخفيف هذه الأعباء وتوجيه الموارد إلى مجالات أخرى، مشيرًا إلى أن هناك ضغوطًا أخرى على الاقتصاد، من بينها ارتفاع أسعار المحروقات وتحميل جزء من هذه الزيادة على المواطنين، بالإضافة إلى استمرار أعباء الكهرباء، وهو ما يزيد من التحديات أمام صانع القرار.

قد يهمك
"ڤاليو" و"التوكيل دوت كوم" يطلقان أول منصة رقمية للتجارة الإلكترونية للسيارات

"ڤاليو" و"التوكيل دوت كوم" يطلقان أول منصة رقمية للتجارة الإلكترونية للسيارات

خدمة الدين 

وأكد شوقي أن بند خدمة الدين يستحوذ على أكثر من 50% من الموازنة العامة، ما يعكس حجم التحدي، خاصة في ظل استمرار الفجوة بين الصادرات والواردات والتي تتجاوز 30 مليار دولار، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من السيولة النقدية لا يزال خارج الجهاز المصرفي، حيث تتجاوز قيمة النقد المتداول خارج البنوك تريليون و600 مليار جنيه، ما يمثل موردًا اقتصاديًا غير مستغل بالشكل الأمثل.

عملات نقدية مصرية وأمريكية

وشدد الخبير المصرفي على أن السيناريو الأقرب يتمثل في تثبيت أسعار الفائدة في اجتماع مايو المقبل، مشيرًا إلى أن أي اتجاه للرفع قد يؤدي إلى ضغوط إضافية على الموازنة، في حين أن مؤشرات التحسن النسبي في بعض الجوانب قد تدعم قرار التثبيت وأن التضخم في مصر لا يرتبط فقط بعوامل داخلية بل يتأثر أيضًا بالتضخم المستورد نتيجة ارتفاع أسعار السلع عالميًا بالإضافة إلى تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكلفة الطاقة وهو ما يجعل معالجة التضخم تتطلب رؤية شاملة تجمع بين السياسات النقدية والمالية والإنتاجية.
وفي سياق متصل، توقعت محلل الاقتصاد الكلي بشركة “اتش سي” للأوراق المالية والاستثمار، هبة منير، تثبيت أسعار الفائدة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية، والضغوط التضخمية، والحاجة للحفاظ على جاذبية أدوات الدين الحكومية.
وأوضحت منير، أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، التي بدأت في 28 فبراير، ما تزال تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي والمصري، إلا أن مرونة سعر الصرف وتحسن المركز الخارجي للاقتصاد المصري ساهما في امتصاص جزء من تلك التداعيات، مشيرًة إلى أن السوق المصرية شهدت تخارج استثمارات أجنبية من أدوات الخزانة بقيمة 3.2 مليار دولار خلال الفترة من 19 فبراير وحتى نهاية أبريل، في حين ارتفع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي بنحو 263 مليون دولار خلال شهري مارس وأبريل ليسجل مستوى قياسياً عند 53 مليار دولار بنهاية أبريل.

تراجع الأصول الأجنبية وانخفاض الجنيه

وأشارت إلى أن الودائع غير المدرجة ضمن الاحتياطيات الرسمية تراجعت بقيمة 2.6 مليار دولار لتصل إلى 10.8 مليار دولار، كما انخفض صافي الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفي بنحو 8.18 مليار دولار خلال شهري فبراير ومارس، ليبلغ 21.3 مليار دولار بنهاية مارس، مؤكدًة أن هذه التطورات، إلى جانب خروج الاستثمارات الأجنبية، ساهمت في تراجع قيمة الجنيه المصري بنحو 10% منذ بداية العام ليصل إلى 52.9 جنيه للدولار في 15 مايو، بما يعكس مرونة سعر الصرف.
واتفق رئيس قطاع البحوث في شركة الأهلي فاروس، هشام جنينة مع الثلاثة آراء السابقة بشأن السيناريو الأقرب لاجتماع البنك المركزي الخميس المقبل في ظل تحسن نسبي في مؤشرات الاقتصاد الكلي، موضحًا أن تباطؤ معدل التضخم خلال الشهر الماضي يمنح البنك المركزي مساحة أكبر لتثبيت أسعار الفائدة، بدلًا من اللجوء إلى التشديد النقدي، خاصة مع استمرار حالة الاستقرار النسبي في سوق الصرف، وهدوء وتيرة تحركات أسعار النفط العالمية.
وأضاف جنينة أن ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية لا يزال عنصرًا داعمًا لجذب الاستثمارات في أدوات الدين المحلية، ما يعزز من جاذبية الجنيه المصري لدى المستثمرين الأجانب، ويقلل من الضغوط على السياسة النقدية في الوقت الحالي، مشيرًا إلى أن توازن العوامل الحالية بين التضخم وسعر الصرف وتدفقات الأموال الساخنة يجعل قرار التثبيت هو الأقرب، إلى حين اتضاح اتجاهات التضخم العالمية والمحلية خلال الفترة المقبلة.

مؤسسات دولية 

في سياق متصل، اتفق المشاركون في استطلاع أجرته وكالة CNBC الأمريكية وشمل 10 من المحللين وخبراء الاقتصاد في شركات وبنوك استثمار محلية وعالمية، على أن المركزي المصري سيتجه إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماعه المرتقب.
وأوضح المشاركون أن قرار التثبيت المحتمل يعكس استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق الإقليمية والدولية، في ظل ما وصفوه بمرحلة اللاحرب واللاسلم التي تمر بها المنطقة، وهو ما يدفع صناع السياسة النقدية إلى الحذر قبل اتخاذ أي خطوات جديدة بشأن أسعار الفائدة.
ويشير الاستطلاع إلى أن البنك المركزي يوازن بين كبح التضخم من جهة، والحفاظ على استقرار السوق وجذب الاستثمارات الأجنبية من جهة أخرى، خاصة في ظل التقلبات الجيوسياسية وأسعار الطاقة العالمية.
اقرأ أيضًا..
سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري اليوم 18 مايو 2026

كاتب المقال

ياسر محفوظ كاتب رياضي يهتم بتغطية أهم البطولات والأحداث الرياضية لحظة بلحظة. يتميز بتحليلاته المتعمقة ورؤيته الثاقبة للرياضة، ويحرص على تقديم محتوى هادف يثري تجربة القارئ. عبر مقالات ياسر، ستجد دائمًا الأخبار الموثوقة والمعلومات القيمة عن نجوم الرياضة والفرق العالمية.