جريدة القدس
الخميس 21 مايو 2026 11:02 مساءً –
بتوقيت القدس
فرضت التطورات الجيوسياسية المتلاحقة في منطقة مضيق هرمز واقعاً جديداً ومعقداً على واحد من أهم ممرات الطاقة الحيوية في العالم. فقد تحول العبور من رحلة روتينية تستغرق ساعات قليلة إلى مسار شائك يتطلب ترتيبات سياسية مسبقة أو موافقات إيرانية دقيقة، مما أدى إلى شلل جزئي في حركة التجارة العالمية عبر هذا الممر الاستراتيجي.
وتشير تقارير دولية إلى أن السلطات الإيرانية باتت تدير نظاماً متعدد المستويات للسماح بمرور السفن، يتضمن تدقيقاً صارماً في هوية الناقلات وصلاتها المحتملة بالولايات المتحدة أو إسرائيل. هذا النظام الجديد قد يشمل أحياناً فرض رسوم مقابل تأمين المرور، في حين تفرض البحرية الأمريكية من جهتها عراقيل إضافية ضمن إجراءات الحصار المضاد خارج حدود المضيق.
وتعكس الأرقام حجم التراجع الحاد في حركة الملاحة، حيث أفادت مصادر بأن عدد السفن التي تمكنت من عبور المضيق في الفترة ما بين 18 أبريل و6 مايو لم يتجاوز 60 سفينة. ويمثل هذا الرقم انخفاضاً هائلاً مقارنة بمعدلات ما قبل الأزمة، حيث كان المضيق يشهد عبور ما بين 120 إلى 140 سفينة بشكل يومي.
وفي ظل هذا الانتظار الطويل، بدأت مئات السفن التجارية العالقة في مياه الخليج بدفع ثمن باهظ من سلامة أجسادها المعدنية. وتتسبب المياه الدافئة والضحلة، مقترنة بالارتفاع الحاد في درجات الحرارة، في تسريع تراكم البرنقيل والطحالب وقناديل البحر على هياكل السفن ومراوح الدفع الخاصة بها، مما يهدد كفاءتها التشغيلية.
وأكدت مصادر ملاحية أن هذه النموّات البحرية لا تكتفي بتشويه المظهر الخارجي، بل تعرقل أنظمة التبريد وتزيد من مقاومة بدن السفينة عند الحركة، مما يرفع استهلاك الوقود بشكل جنوني. وتواجه السفن العالقة صعوبات تقنية متزايدة في مداخل الأنابيب، مما قد يؤدي إلى أعطال ميكانيكية مفاجئة في حال استمرار الوضع الراهن.
المنظمة البحرية الدولية: أكثر من 20 ألف بحار متأثرون بالوضع في المنطقة، بينهم عالقون على سفن غير قادرة على الخروج من مضيق هرمز.
ونقلت تقارير عن شركة ‘هاباغ لويد’ العالمية أن إحدى سفنها اضطرت للإبحار بسرعة منخفضة للغاية بعد خروجها من المضيق بسبب الكائنات العالقة بجسمها. وقد غطت هذه الكائنات المروحة ومعظم الجوانب الراسية، بالإضافة إلى نحو 40% من قاع السفينة، مما استوجب عمليات تنظيف وصيانة طارئة ومكلفة.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود الأضرار الفيزيائية للسفن، بل تمتد لتشمل نقصاً حاداً في قطع الغيار والصيانة اليومية الضرورية. ومع دخول فصل الصيف واشتداد رياح الشمال والعواصف الرملية، بات وصول فرق الخدمة إلى مناطق الرسو أمراً محفوفاً بالمخاطر الأمنية، مما يفاقم حالة الشلل اللوجستي التي تعاني منها الناقلات.
وفي قلب هذه المعاناة، يبرز البحارة كالحلقة الأكثر هشاشة وتضرراً من هذا الصراع البحري المستمر. ووفقاً لتقديرات المنظمة البحرية الدولية، فإن أكثر من 20 ألف بحار يعيشون ظروفاً صعبة نتيجة احتجاز سفنهم أو تأخرها، حيث يواجه الكثير منهم خطر نقص الإمدادات الأساسية من غذاء ومياه صالحة للشرب.
وقد وجهت المنظمة الدولية نداءات عاجلة لضمان استمرار تزويد السفن المحاصرة بالوقود والاحتياجات المعيشية، مقترحة إطاراً طوعياً لإجلاء آمن للسفن التجارية من داخل الخليج. وتتزايد المخاوف الإنسانية مع تسجيل وقائع شملت وفيات وإصابات بين العاملين البحريين نتيجة الضغوط النفسية والظروف البيئية القاسية في المنطقة.
من جانبها، سارعت غرفة الشحن الدولية لتقديم الدعم النفسي والروحي للبحارة المتأثرين بالصراع عبر إطلاق خطوط مساعدة بلغات متعددة. وتهدف هذه المبادرات إلى التخفيف من وطأة العزلة والقلق التي يعيشها أطقم السفن العالقة، في ظل غموض يكتنف مستقبل الملاحة في أحد أكثر ممرات العالم توتراً.


