كويكب «شارد» يمنح البشرية مفتاح الطريق المختصر إلى المريخ

كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة «Acta Astronautica» عن تحول جذري في مستقبل الملاحة الفضائية، بعدما توصل عالم برازيلي إلى «طريق مختصر» قد يقلص زمن الرحلة إلى المريخ بمقدار النصف، مستلهماً هذا الاكتشاف من مسار هندسي غير متوقع لكويكب عابر؛ وهو ما يضع حلاً لواحدة من أكبر معضلات السفر عبر الكواكب المتمثلة في طول الفترة الزمنية وما يترتب عليها من مخاطر إشعاعية وضغوط جسدية ونفسية تهدد سلامة رواد الفضاء.بدأت القصة بملاحظة لافتة من عالم الكونيات «مارسيلو دي أوليفيرا سوزا»، من جامعة ولاية شمال ريو دي جانيرو، الذي وجد في البيانات المهملة للكويكبات أدلة قد تغير تاريخ السفر بين الكواكب. وتتلخص الفكرة في أن المسارات التي تسلكها الأجرام القريبة من الأرض (NEAs) تحتوي على «هندسة مدارية» لم تستغلها وكالات الفضاء بعد، ما قد يقلص رحلة المريخ الكاملة إلى أقل من عام واحد.لطالما اعتمد علماء الفلك على رصد الكويكبات القريبة من الأرض لتقييم مخاطر الاصطدام، وغالباً ما تكون التقديرات المدارية الأولى غير دقيقة ويتم تحسينها بمرور الوقت مع تراكم البيانات. لكن مارسيلو سوزا قرر النظر إلى هذه «الأخطاء» بنظرة مختلفة؛ ففي عام 2015، وبينما كان يحلل الكويكب «2001 CA21»، لاحظ أن التقديرات المبدئية لمساره رسمت خطاً هندسياً نادراً يربط بين مداري الأرض والمريخ بشكل مباشر وسريع للغاية.وعلى الرغم من أن القياسات اللاحقة أثبتت أن الكويكب لا يسلك هذا المسار فعلياً، إلا أن «الهندسة النظرية» التي ظهرت في البيانات الأولية خلال تقابل كوكب المريخ في أكتوبر 2020 كشفت عن إمكانية وجود مسارات «فائقة القصر». ويقول سوزا في تقريره: «لم أكن أبحث عن طريق للمريخ، لكن المسار كان هناك مختبئاً في ثنايا حسابات قديمة لم يعد أحد يهتم بها». هذه المسارات تعتمد على استغلال لحظات التقابل -حين تكون الأرض والمريخ في أقرب نقطة لهما- للسير في خطوط شبه مستقيمة بدلاً من المدارات البيضاوية الطويلة (مدارات هومان) التي تتبعها البعثات الحالية لتوفير الوقود.تفتح هذه الدراسة باباً للأمل، لكنها تضع المهندسين أمام تحديات تقنية هائلة. فحسابات سوزا تشير إلى أن الرحلة من الأرض إلى المريخ يمكن أن تستغرق 34 يوماً فقط إذا ما تم اتباع المستوى المداري الذي اقترحته بيانات الكويكب. هذا الرقم مذهل مقارنة بالـ 210 إلى 300 يوم التي تستغرقها الرحلات الحالية. ومع ذلك، فإن السعر الذي يجب دفعه مقابل هذا الوقت هو «السرعة الفائقة».يتطلب هذا المسار سرعة انطلاق تصل إلى 32.5 كيلومتر في الثانية، وهو ما يتجاوز بمراحل قدرة الصواريخ الكيميائية الحالية التي نستخدمها اليوم. علاوة على ذلك، فإن المركبة الفضائية ستصل إلى الغلاف الجوي للمريخ بسرعة مهولة تبلغ 108,000 كيلومتر في الساعة. في الوقت الحالي، لا تملك البشرية أنظمة هبوط (مظلات أو دروعاً حرارية) قادرة على كبح جماح مركبة بهذه السرعة دون أن تتحطم أو تحترق. ومع ذلك، يرى الخبراء أن هذا الكشف يحدد «الهدف» للمهندسين؛ فبدلاً من البحث عن طرق جديدة، أصبح التحدي الآن هو تطوير محركات دفع نووي حراري أو محركات أيونية قوية بما يكفي لتحقيق هذه السرعات، وأنظمة كبح قادرة على التعامل مع الوصول العنيف.أكبر ميزة لهذا الطريق المختصر هي كسر «قيد الانتظار»؛ ففي المهمات التقليدية يجب على رواد الفضاء قضاء ما يقرب من عامين على سطح المريخ بانتظار «نافذة العودة» (اصطفاف الكوكبين مرة أخرى) لضمان رحلة عودة موفرة للوقود. أما المسارات المستلهمة من الكويكبات، فهي تقترح مرونة أكبر في التوقيت، ما قد يجعل الرحلة الكاملة (ذهاباً، وإقامة قصيرة، وعودة) تتم في غضون شهور بدلاً من سنوات.إن تقليص مدة المهمة يعني تقليل كمية الغذاء والأكسجين التي يجب حملها، والأهم من ذلك، تقليل تعرض الطاقم للإشعاع الكوني الضار الذي يسبب السرطان وتلف الأعصاب خلال الرحلات الطويلة. ويؤكد سوزا أن هذا البحث لا يزعم حل مشكلة الوقود، بل يغير «النموذج الفكري» (Paradigm) الذي ساد لعقود بأن السفر للمريخ يجب أن يكون رحلة طويلة وشاقة. إن اكتشاف هذا الطريق المختصر بالصدفة يثبت أن الحلول لتعقيدات السفر في الفضاء قد تكون موجودة بالفعل في البيانات التي نمتلكها، ولكنها تنتظر فقط زاوية رؤية مختلفة.

كاتب المقال

صحفي لدي موقع سبورت ليب أهتم بالشأن العام واتمني اثراء المحتوي العربي ونشر الأخبار الحصرية لكل ما هو جديد