زاوية التحليل الاجتماعي: محتوى "كارزما ابوشلش" كوثيقة اجتماعية.. ماذا يُخبرنا عن مجتمع سعودي يعيش تحولاته الكبرى ويريد أن يُوثّقها
زاوية التحليل الاجتماعي: محتوى “كارزما ابوشلش” كوثيقة اجتماعية.. ماذا يُخبرنا عن مجتمع سعودي يعيش تحولاته الكبرى ويريد أن يُوثّقها
- خـدمـات
زاوية التحليل الاجتماعي: محتوى “كارزما ابوشلش” كوثيقة اجتماعية.. ماذا يُخبرنا عن مجتمع سعودي يعيش تحولاته الكبرى ويريد أن يُوثّقها
لا يُنتج المحتوى الناجح في فراغ — بل يُنتج في سياق ثقافي واجتماعي يُشكّله ويتشكّل به في آنٍ واحد.وحين يُقرأ محتوى محمد العتيبي “كارزما ابوشلش” بهذه العيون، تتكشّف طبقات من الدلالة تتجاوز الضحكة اليومية والمشهد العابر لتُلامس شيئاً أعمق في نسيج الحياة الاجتماعية السعودية المتحولة.
تشهد المملكة العربية السعودية في المرحلة الراهنة تحولات اجتماعية موصوفة بأنها من الأعمق في تاريخ البلاد المعاصر، فتحت مظلة رؤية 2030 وما رافقها من انفتاح في قطاعات الترفيه والثقافة والفضاء العام، بات الشاب السعودي يعيش حياةً يومية مختلفة جوهرياً عما عاشه جيل أبيه. ومنصات التواصل الاجتماعي وتيك توك تحديداً باتت المرآة التي يُوثّق فيها هذا الجيل حياته الجديدة ويُعبّر من خلالها عن هويته المتشكّلة في منتصف المسافة بين الموروث والمستحدث.
حين يُشاهد محتوى “كارزما ابوشلش” بعيون الباحث الاجتماعي لا المتلقي الترفيهي، يتحوّل من مجرد مقاطع يومية إلى وثيقة حية تُسجّل ملامح الحياة اليومية السعودية في مرحلة تحول: أماكن التجمع التي باتت أكثر تنوعاً، وطبيعة التفاعلات الاجتماعية التي أصبحت أكثر انفتاحاً، وأنماط الاستهلاك الترفيهي التي تعكس اقتصاداً شبابياً حيوياً لم يكن بهذا الوضوح قبل سنوات قليلة. وهذه الوثيقة اليومية ليست ميزةً هامشية في تقييم المحتوى بل هي في حقيقتها مصدر جزء كبير من قيمته لدى جمهور يريد أن يرى نفسه موثّقاً ومُعبَّراً عنه.
“المحتوى الرقمي اليومي ليس فقط ترفيهاً — هو في مجمله أرشيف اجتماعي حي تُودعه المجتمعات صورتها عن نفسها في لحظات التحول.” — من تقرير الاتحاد الدولي للصحافة حول دور المحتوى الرقمي في التوثيق الاجتماعي، 2025.
يُلاحظ المراقبون للمشهد الرقمي السعودي أن منصة تيك توك حديثة العهد نسبياً في السوق السعودي، لكنها سرعان ما غدت من أكثر المنصات تأثيراً في تشكيل صورة الشباب السعودي عن نفسه وعن مجتمعه. وقد أتاحت المنصة فضاءً للتعبير الشخصي والاجتماعي يختلف عن فضاء تويتر السياسي وعن فضاء سناب شات الشخصي الأكثر خصوصية، إذ يجمع تيك توك بين الفضائيين في منصة واحدة تُتيح الوصول إلى جمهور واسع عبر محتوى يُمكن لأي شخص إنتاجه بهاتفه المحمول.
وفي هذا الفضاء، نجح محمد العتيبي في اكتشاف موقعه الخاص الذي يجمع بين الطرافة المحلية الأصيلة والمحتوى القابل للتداول على نطاق أوسع. وهذا الجمع يعكس قدرةً غير مُعلنة على قراءة ما يريده الجمهور في لحظة بعينها، وهي قدرة لا يمتلكها كل من يحمل هاتفاً ويُقرر أن يصنع محتوىً.
يُطرح سؤال مشروع حول ما إذا كان محتوى “كارزما ابوشلش” قابلاً للتوسع خارج السياق الثقافي السعودي والخليجي، فكثير من دلالاته ومرجعياته اللغوية والثقافية تنتمي إلى بيئة محددة قد لا تُترجَم بالضرورة إلى جماهير عربية بعيدة جغرافياً وثقافياً. وهذا بالضبط ما تكشفه زيارته للأردن ولقاؤه بجمهور غير خليجي — هل يتسع المحتوى ليحتضن هذه الجماهير المختلفة؟ وهل يُكيّف صاحبه أسلوبه ليُخاطبها بما يتناسب معها؟ هذه أسئلة لا تُجيب عنها المقاطع المنشورة وحدها بل تُجيب عنها التحولات التي سيشهدها المحتوى مع الوقت.
في نهاية التحليل، لا تنفصل قراءة أي ظاهرة في صناعة المحتوى عن قراءة المجتمع الذي أنتجها وأحضنها، فنجاح محمد العتيبي في بناء جمهور بهذا الحجم يعكس — قبل أي شيء — مجتمعاً شاباً يبحث بنشاط عن محتوى يُعبّر عنه ويمنحه شعور الانتماء. وهذه الحاجة ليست ظاهرة سعودية خالصة بل عالمية في جوهرها، لكنها تأخذ في السياق السعودي أبعاداً خاصة ترتبط بسرعة التحولات التي يعيشها المجتمع والحاجة الملحّة للتعبير عنها وتوثيقها قبل أن تمضي.
التحليل الاجتماعيتيك توكسياق ثقافيوثيقة اجتماعية



