عودة الشائعات حول أول رحلة لـ Su-75.. هل تستطيع المقاتلة الروسية بسعر 25 مليون دولار منافسة هيمنة F-35؟
موقع الدفاع العربي – 29 مايو 2026: منذ الكشف عنها لأول مرة خلال معرض موسكو الجوي عام 2021، برزت مقاتلة “سو-75 كش ملك” (Su-75 Checkmate) باعتبارها ثاني مشروع روسي لمقاتلة شبحية من الجيل الخامس بعد سو-57، وكمحاولة طموحة من موسكو لاقتحام سوق المقاتلات الشبحية منخفضة ومتوسطة التكلفة على المستوى العالمي. غير أن المشروع، رغم الزخم الإعلامي الكبير الذي رافق إطلاقه، لم يحقق التقدم المأمول، إذ تعرّض لسلسلة من التأجيلات المتتالية خلال السنوات الماضية، ما أثار تساؤلات متزايدة حول جدواه ومستقبله الفعلي.
يحمل المشروع الاسم الرمزي LTS (الطائرة التكتيكية الخفيفة)، وقد انطلق تطويره استناداً إلى الدروس المستخلصة من العمليات العسكرية الروسية في سوريا. فبعد تحليل بيانات تشغيل مقاتلة Su-57، توصلت موسكو إلى أن المقاتلات الثقيلة ثنائية المحرك تمتلك قدرات تفوق متطلبات العديد من المهام اليومية مثل الدوريات الجوية والهجمات الأرضية التقليدية والسيطرة الجوية منخفضة الحدة، ما يجعل تشغيلها مكلفاً وغير اقتصادي. لذلك قررت شركة “الطائرات المتحدة” تطوير مقاتلة شبحية أحادية المحرك منخفضة التكلفة وخفيفة الوزن لسد الفجوة بين سو-57 ومقاتلات الجيل الرابع والنصف.
ورغم تصنيفها كمقاتلة خفيفة، فإن مواصفاتها الفعلية تضعها ضمن فئة المقاتلات المتوسطة. إذ يبلغ طولها نحو 17 متراً، وعرض جناحيها حوالي 11 متراً، فيما يصل وزن الإقلاع الأقصى إلى 26 طناً، ما يجعلها أكبر من إف-35 الأمريكية وأصغر من سو-57.
في جانب التصميم، اعتمدت سو-75 فلسفة تقوم على الاستفادة القصوى من التقنيات والمكونات المطورة مسبقاً لمقاتلة سو-57 بهدف تقليص تكاليف التطوير وتسريع الجدول الزمني للمشروع. وتستخدم الطائرة مدخلاً هوائياً سفلياً فوق صوتي مع تصميم شبحي تقليدي يتضمن زعانف خلفية مائلة على شكل V، مع الاستغناء عن الذيل الأفقي التقليدي لصالح أسطح تحكم مدمجة في الهيكل الخلفي، إلى جانب تصميم جسم وجناح مندمجين يهدف إلى تقليل البصمة الرادارية الأمامية.
سو-75
أما على صعيد الدفع، فكان المخطط الأولي يقضي بتزويدها بمحرك 117S المستخدم في مقاتلات سو-35 بقوة دفع تبلغ 14.5 طناً. وفي مرحلة لاحقة كان من المفترض أن تحصل على نسخة تصديرية مخفضة القدرات من محرك “إيزديليي 30” المطور لـ سو-57 بقوة تصل إلى 16 طناً. ووفق التصورات الروسية، ستمكن هذه المنظومة الطائرة من بلوغ سرعة تتراوح بين 1.8 و2 ماخ، ومدى يصل إلى نحو 2800 كيلومتر، مع قدرة تحمل تصل إلى 8G.
ويُنظر إلى منظومة التسليح والإلكترونيات الجوية باعتبارها أحد أبرز عناصر الجذب في المشروع. إذ تتضمن الطائرة ثلاثة مخازن أسلحة داخلية، منها حجرتان جانبيتان وحجرة رئيسية أسفل البدن، توفر مجتمعة خمسة نقاط تعليق داخلية تسمح بحمل صواريخ جو-جو قصيرة ومتوسطة المدى مع الحفاظ على الخصائص الشبحية. كما تضم ست نقاط تعليق خارجية ترفع الحمولة القتالية القصوى إلى 7.4 أطنان، ما يتيح استخدام طيف واسع من الصواريخ والقنابل الموجهة والأسلحة المضادة للرادارات.
وفي مجال الإلكترونيات، تعتمد الطائرة على النسخة الأمامية من رادار N036 AESA المستخدم في سو-57، إلى جانب نظام استهداف كهروبصري مطور ومنظومة بحث وتتبع بالأشعة تحت الحمراء. كما تخطط روسيا لتزويدها ببنية إلكترونية مفتوحة وقدرات دعم بالذكاء الاصطناعي، مع تطوير ثلاث نسخ مختلفة تشمل مقعداً واحداً ومقعدين ونسخة غير مأهولة يمكن دمجها ضمن عمليات القتال الشبكي والتعاون مع منصات أخرى.
ولزيادة جاذبيتها في سوق التصدير، ركزت موسكو على خفض التكلفة إلى أقصى حد ممكن، حيث تتراوح التقديرات الرسمية لسعر الطائرة بين 25 و30 مليون دولار للوحدة. ويمثل ذلك نحو ثلث سعر إف-35 وأقل بكثير من سعر مقاتلات مثل KF-21 Boramae الكورية الجنوبية، ما يمنحها جاذبية خاصة للدول ذات الميزانيات العسكرية المحدودة.
لكن رغم وضوح الرؤية التسويقية للمشروع، فإن سو-75 واجهت منذ البداية سلسلة من العقبات. فبعد أن كان من المقرر تنفيذ أول رحلة عام 2023، جرى تأجيل الموعد إلى 2024 ثم 2025، قبل أن تشير التقديرات الروسية الأخيرة إلى إمكانية إجراء أول تحليق مطلع عام 2026. وحتى الآن لم تتجاوز أعمال التطوير مرحلة تجميع النموذج الأولي والاختبارات الأرضية، دون تنفيذ أي برنامج طيران فعلي.
صورة حديثة لمقاتلة “سو-75” إلى جانب شقيقتها الكبيرة “سو-57”
ويعود التأخير إلى عدة عوامل، أبرزها تأثير العقوبات الغربية التي فُرضت على قطاع الطيران الروسي بعد اندلاع الحرب الأوكرانية، ما أدى إلى صعوبات كبيرة في الحصول على أشباه الموصلات المتقدمة ومعدات التصنيع الدقيقة والمواد الخاصة المستخدمة في الصناعات الجوية. كما أن تركيز المجمع الصناعي العسكري الروسي على تلبية احتياجات الحرب الجارية من الذخائر والمعدات والصيانة قلّص الموارد المتاحة للمشروعات طويلة الأجل مثل سو-75.
كما تضرر المشروع من تراجع الاستثمارات والشراكات الخارجية. فالإمارات العربية المتحدة، التي كانت تُعد الشريك الأجنبي الأبرز والمصدر المحتمل للتمويل، أبدت سابقاً اهتماماً بالمشاركة في تطوير مقاتلة من الجيل الخامس مع روسيا، لكن هذا المسار فقد زخمه خلال السنوات الأخيرة، ما أدى إلى انقطاع أحد أهم مصادر الدعم المالي للمشروع.
وتزداد التحديات مع محدودية اهتمام القوات الجوية الروسية نفسها بالطائرة. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي لم تشترِ موسكو أي مقاتلة أحادية المحرك جديدة، واعتمدت بشكل شبه كامل على المقاتلات الثقيلة ثنائية المحرك مثل عائلة سو-27 وسو-57. وحتى الآن لا توجد طلبات شراء مؤكدة أو أرقام معلنة حول حجم الأسطول الذي قد تطلبه القوات الروسية مستقبلاً.
ورغم هذه العقبات، لا تزال سو-75 تمتلك بعض عناصر القوة في سوق التصدير، وعلى رأسها السعر المنخفض نسبياً وغياب القيود السياسية الصارمة المرتبطة غالباً بصفقات الأسلحة الغربية. فالدول في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية التي تواجه قيوداً مالية أو سياسية قد ترى في الطائرة خياراً جذاباً لتحديث قواتها الجوية.
في المقابل، تواجه المقاتلة الروسية منافسة قوية من طائرات مثل إف-35 وJ-35A وKF-21. إذ يشير منتقدو المشروع إلى أن تصميمها يركز أساساً على التخفي الأمامي، بينما تتفوق المقاتلات الغربية والصينية الحديثة في التخفي متعدد الزوايا ومتعدد الأطياف. كما أن قدرات الرادار والحرب الإلكترونية والاندماج الشبكي يُعتقد أنها ستكون أدنى من تلك التي توفرها الأنظمة المنافسة.
ويضاف إلى ذلك عامل سياسي مهم يتمثل في مخاطر العقوبات الغربية التي قد تواجه الدول الراغبة في شراء معدات عسكرية روسية، وهو ما قد يحد من عدد الزبائن المحتملين.
ويبقى مستقبل سو-75 مفتوحاً على عدة سيناريوهات. فإذا نجحت روسيا في تجاوز العقبات الحالية وبدء الإنتاج الكمي قبل نهاية العقد، فقد تتمكن الطائرة من اقتطاع حصة من سوق المقاتلات الشبحية بفضل سعرها المنخفض. أما إذا استمرت التأجيلات وتعثر التطوير، فقد تنضم سو-75 إلى قائمة المشاريع العسكرية الطموحة التي بقيت حبيسة المخططات والنماذج الأولية دون تحقيق الأهداف الصناعية والتجارية التي رُسمت لها.


