زواج القاصرات: جدل اجتماعي وثقافي في الإمارات
خرج مؤيدو زواج القاصرات من جحورهم للنباح ضد حكم القضاء الإماراتي بسجن وتغريم المواطن الذي حرّض على الزواج من القاصرات المغربيات. لم يُخطئ الرجل الخمسيني – في رأيهم – بزواجه من قاصر، أو بترويجه لمكتبه المتخصص في تزويج الوحوش البشرية مثله. لطالما تزوجت القاصرات – يحاججون معترضين على الحكم – وأسسن الأسر، ولم يضرهن ذلك أو يدمر مجتمعاتهن. بالإضافة إلى أنها كانت زيجات جائزة وشرعية ما دامت قد أتمّت العرائس البلوغ. وربما هم على حق؛ فربما الطفولة حقيقة بيولوجية ثابتة فعلاً، وليست مفهوماً اجتماعياً وثقافياً متغيّراً أُعيد تشكيله منذ زمن جداتنا اللاتي زُوّجن في عمر الـ13. بل ربما كان العالم بأسره على حق قبل الثورة الصناعية حين لم تكن معظم المجتمعات تصنّف الأطفال إلا كـ”راشدين صغار”، فلا تحفهم بأي حماية أو معاملة مميزة. ولكن لماذا يدعون فضائلهم تقتصر على تزويج القاصرات للكهول؟
ماذا بشأن القاصرين؟
أولاً، لينسوا مقاعد الدراسة التي يلتزق بها أبناؤهم الذكور حتى يكبروا، وتستدعي مراعاتهم ومساندتهم ومتابعتهم. ليبدؤوا بإرسال أبنائهم الذكور إلى العمل منذ عمر السابعة كما كان يحدث في الماضي ليكسبوا لقمة عيشهم بعرق جبينهم، وليتكيّفوا مع عودة الطفل بإصبع مقطوعة أو ظهر محني جرّاء الجهد البدني المضني، ولا يبتئسوا لو وجد “معلماً” – وليس بالمعنى الأكاديمي – يهينه ويضربه. وليتقبّلوا أن يسافر الطفل الذكر وحده لأغراض العمل مثلما كانت تجبرهم الظروف سابقاً. وأتذكر بأني كنت أقرأ سيرة خليفة الفقاعي، وهو نوخذة – أي ربان أو مالك سفينة – إماراتي مخضرم من فترة ما قبل الطفرة النفطية، فقال إنه بدأ العمل في السفن التجارية قبل عمر الثامنة، فكانت تحمله – دون مرافق، طبعاً – من رأس الخيمة، وتعبر به – وحده – البحار والمحيطات. وليعتادوا على أن يتخذ طفلهم الذكر – خصوصاً أنه سوف ينفق على نفسه – القرارات المصيرية بشأن هجرته واستقراره وحياته كما يفعل الراشدون. وهنا أسترجع قصة رجل الأعمال السعودي محمد بن سيار الذي بنى إمبراطورية عقارية مزدهرة، فحينما كان في الـ10 أو الـ11 من عمره، وكان ذلك في عام 1911 أو 1912، قرر المكوث في الأحساء التي تبعد 500 كيلومتر عن بلدته ثرمداء. وما كان من أبيه إلا أن تركه وشأنه، واحترم استقلاليته! وحبذا لو يكفّون عن لعن الحوثيين والنظام الإيراني لتجنيدهما الأطفال والزج بهم في ميادين القتال، فذلك كان منظراً مألوفاً قبل أن تدمن المجتمعات “تدليل” الأطفال الذكور والحرص المفرط عليهم. أما يدركون بأن صبياناً لم تزد أعمارهم على الـ10 سنوات انخرطوا في “منظمة شباب هتلر”، وهبّوا لحماية برلين خلال الحرب العالمية الثانية؟
سؤال ختامي
للأسف، إن الغالبية العظمى من الشجعان المؤيدين لزواج القاصرات لا يتحلون بالشجاعة الكافية للعودة بأبنائهم الذكور أيضاً إلى تلك التعريفات البائدة للطفولة، فهل عقارب التطور لا تتقهقر إلى الوراء إلا لخدمة شهوات البيدوفيليين تجاه الطفلات الصغيرات وتبريرها؟


