الفن التشكيلي في الإمارات.. ذاكرة بصرية توثق نبض الحياة
لم يعد الفن التشكيلي في الإمارات مجرد مساحة للتعبير الجمالي، بل أصبح وسيلة تحفظ ذاكرة المكان وتوثق تفاصيل الحياة اليومية، وتعيد تقديمها للأجيال بوصفها جزءاً من تاريخ المجتمع وثقافته. فالأعمال الفنية لا تولد من لحظة عابرة، بل من تجربة تتراكم فيها المشاهد، لتتحول مع الزمن إلى سجل بصري يحفظ الذاكرة ويروي الماضي.وفي هذا السياق أكد الفنان التشكيلي خليل عبدالواحد، أن كثيراً من الفنانين يرسمون المشهد الذي يعيشونه أو الأشخاص الذين يحيطون بهم دون أن يفكروا في التوثيق بشكل مباشر، لكن هذه الأعمال تتحول لاحقاً إلى سجل بصري للمكان والناس والزمن.ولفت إلى أن الفن في الإمارات أصبح أداة لصناعة المستقبل ووسيلة لحفظ الماضي، حيث يوثق البيئات والقصص والتجارب الإنسانية، ومن جهة أخرى يفتح الخيال على احتمالات جديدة تسهم في صناعة المستقبل. مضيفاً: «إن المبدع بطبيعته يفكر خارج المألوف، وهذا الخيال الواسع لا يبقى داخل حدود العمل الفني فقط، بل قد يفتح أبواباً أمام العلماء والمخترعين والباحثين لتطوير أفكار جديدة وتحويل ما كان يبدو خيالاً إلى واقع».وأشار إلى أن علاقته بفكرة الذاكرة الفنية ارتبطت منذ وقت مبكر بمحاولته البحث عن طريقة تحفظ أثر الفنانين وتجاربهم، ليس فقط عبر أعمالهم المنجزة، بل أيضاً من خلال أدواتهم نفسها.وأوضح أن مشروعه «مجموعة أدوات الفنان» انطلق من هذه الفكرة، إذ يعمل على توثيق أدوات الفنانين وتحويلها إلى أعمال فنية، سواء عبر تصويرها في الاستوديو أو عرضها ضمن إطار فني، بحيث لا تبقى مجرد أدوات مستخدمة، بل تصبح جزءاً من أرشيف بصري يحفظ حضور الفنان وتجربته للأجيال القادمة.وأوضح أنه حين يشتغل على هذا النوع من الأعمال لا يفكر في اللحظة الراهنة فقط، بل في المستقبل، وفي كيفية أن يرى الجيل القادم ليس فقط إنتاج الفنان، بل أيضاً الأدوات التي أسهمت في صناعة هذا الإنتاج، باعتبار أن كل فرشاة أو خامة أو أداة تحمل في داخلها تاريخاً وتجربة وبصمة خاصة، ومن هنا جاءت رغبته في الاحتفاظ بهذه المواد ضمن أعمال فنية توثق جانباً مهماً من تاريخ الحركة التشكيلية الإماراتية.أما عن رسالة الفن، أوضح أنها تختلف بحسب الفنان ولكن ما يميز الفن التشكيلي تحديداً هو أن رسالته تصل بسرعة وقوة، لأن التلقي فيه يتم أولاً عبر العين، متابعاً: «فالعمل الفني قد يحمل أثراً لحظياً مباشراً، وقد يترك أثراً يتأخر ظهوره لسنوات، لكنه في الحالتين قادر على بناء سردية أو توثيق لحظة عاشها الفنان ومن هنا، يصبح الفن مرجعاً بصرياً يعود إليه الناس في المستقبل لفهم كيف كان الفرد يرى العالم ويتفاعل مع زمنه».ويرى أن الفنان يسهم بطريقة غير مباشرة في صناعة المستقبل، لأن الخيال الفني يسبق أحياناً ما يمكن أن يتحقق لاحقاً في الحياة.ذاكرة إنسانيةمن جهتها قالت الفنانة التشكيلية نوال البلوشي إن الفن هو الوعاء الأصدق للذاكرة الإنسانية، لأنه لا يوثق الحدث فقط، بل ينقل إحساسه وروحه عبر الزمن.وأوضحت أنها حين ترسم أو تشتغل على عمل فني تبدأ غالباً من تجربة شخصية أو لحظة شعورية عميقة، لكنها لا تبقى حبيسة ذاتها، لأن معالجة هذه التجربة بصرياً تمنحها بعداً إنسانياً مشتركاً، يتحول معه الإبداع من فعل فردي إلى خطاب بصري قادر على ملامسة الآخرين وتعزيز الوعي بالهوية والانتماء، مؤكدة أن الفن في الإمارات لا يحفظ الذاكرة فقط، بل يعيد تشكيلها ويجعلها حية وقابلة للتأمل.وفي حديثها عن العمل الذي ترك أثراً في نفوس الجمهور، أشارت إلى عمل تناول التحولات بين الماضي والحاضر من خلال رموز تراثية معاد صياغتها بأسلوب معاصر، لافتة إلى تفاعل الجمهور، خاصة من الجيل الشاب، حين عبّروا عن شعورهم بأنهم يرون تراثهم «بعيون جديدة»، وذلك يؤكد أن الفن قادر على تغيير زاوية النظر ليس عبر التلقين، بل عبر الإحساس والاكتشاف.وأضافت أن الفن يمثل الجسر الأكثر مرونة بين الأجيال، لأنه لا يعتمد على اللغة المباشرة فقط، بل على الصورة والرمز والتجربة البصرية، حيث يمكن للفنان أن يستلهم من التراث عناصره وروحه ثم يعيد تقديمها بلغة معاصرة قريبة من وجدان الشباب، ليصبح الارتباط بالتاريخ طبيعياً وليس مفروضاً، فالفن لا يشرح التاريخ فحسب، بل يجعله يُعاش من جديد.وأكدت أنها تعتز بالأعمال التي اشتغلت فيها على مفاهيم الذاكرة المرتبطة بالمكان، خصوصاً تلك التي تستحضر تفاصيل الحياة اليومية القديمة وتعيد صياغتها بصرياً، موضحة أنها حاولت في أحد هذه الأعمال تجسيد الذاكرة بوصفها طبقات متراكمة من التجارب والمشاعر، لأن الهوية في نظرها ليست مجرد موروث ثابت، بل حالة مستمرة من التشكّل والتفاعل.مراحل أساسيةمن جهته، أكد الفنان التشكيلي جاسم العوضي أن العمل الفني لكي يتحول من إطار الخصوصية إلى جزء من الثقافة والحركة الفنية في المجتمع، لا بد أن يمر الفنان بعدة مراحل أساسية، في مقدمتها الاستمرارية في العمل، والاهتمام بالموروث والثقافة المحلية، وفهم ثقافة اللون والزوايا والتجانس أو التباين، إلى جانب الارتباط بالبيئة المحيطة.وأوضح أن تميز الفنان في عمله يعد عاملاً محورياً في هذه الرحلة، بحيث لا يكون العمل مقلداً لأعمال أخرى، بل يحمل بصمته الخاصة، مشيراً إلى أن العمل الفني يحتاج إلى زمن واستمرارية وجهد جاد من الفنان حتى يكتسب قيمته الحقيقية داخل المجتمع.ونوه بأن العمل الفني لا يكتسب مكانته إلا عندما يرتبط بالثقافة المحلية، لافتاً إلى أن المجتمع الإماراتي، رغم حداثة تجربته، يسعى إلى إثبات حضوره الثقافي والبصري في المشهد الفني العالمي، موضحاً أن الفن اليوم أصبح جزءاً مهماً من القوة الناعمة، ويتطلب من الفنان الأمانة في الأداء والالتزام بقيم المجتمع وثقافته.وأشار إلى أهمية وجود دور مؤسسي في حفظ الأعمال الفنية، مؤكداً أن كثيراً من الفنانين يواجهون صعوبة في إدارة أرشيف أعمالهم، ما يستدعي تدخل الجهات المعنية للحفاظ على هذا المخزون الفني، حتى تبقى هذه الأعمال حاضرة بعد مئة أو مئتي عام بوصفها جزءاً من ذاكرة الدولة الثقافية.وأضاف أن تنظيم الجلسات الفنية والورش والمعارض التي تجمع الفنانين الرواد بالشباب يسهم في نقل الخبرات، ويعزز استمرارية الحركة الفنية في المجتمع، مؤكداً أن هذا التواصل يمثل إحدى أهم أدوات الحفاظ على الهوية الثقافية وتطويرها.وفيما يتعلق بمسؤولية الفنان تجاه المجتمع في ظل تسارع التغيرات الثقافية، شدد على ضرورة اهتمام الفنان بالموروث الثقافي والبيئة الطبيعية، بما في ذلك الألوان والتضاريس الجغرافية والحياة الأسرية والمهن والحرف التقليدية، باعتبارها عناصر تشكل ذاكرة المجتمع وهويته.

