أغرب محاكمات التاريخ: حيوانات في قفص الاتهام.. ومحامون يدافعون عنها!

في العصور الوسطى، في معظم أنحاء أوروبا، خضعت الحيوانات لمحاكمات عامة كالبشر تماماً، طبق عليها القانون، وحكم عليها بالسجن، والإعدام، والصلب والحرق ووقف محامون يستميتون في الدفاع عنها ويدفعون ببراءتها، وامتدت الظاهرة بظلالها إلى مناطق أخرى من العالم كأمريكا الشمالية والبرازيل وروسيا حتى نهاية القرن الثامن عشر. لم تكن المجتمعات في أوائل العصر الحديث تنظر إلى الحيوانات على أنها مجرد مخلوقات مسيّرة بغرائزها، بل نُسبت إليها مسؤولية أخلاقية وجنائية كاملة عن سلوكياتها. اعتقد القانونيون آنذاك أن الحيوانات تمتلك القدرة على الإرادة والقصد، وبالتالي يجب أن تخضع للقوانين السارية وتتحمل عواقب أفعالها إذا ما ارتكبت مخالفات وفق لايف ساينس. استندت هذه المحاكمات إلى مبدأ تحقيق العدالة الكونية وتطهير المجتمع من دنس الجريمة، فإذا تسبب حيوان ما في مقتل إنسان أو تدمير محصول، فإن تركه دون عقاب كان يُعد تقاعساً من البشر عن تطبيق العدالة، واختلالاً في الميزان الأخلاقي للمجتمع.

محاكمات

انقسمت محاكمات الحيوانات تاريخياً إلى نوعين رئيسيين، بناءً على نوع الجرم المرتكب وحجم الكائن المتهم، الصنف الأول المحاكم المدنية والجنائية العادية، وكانت هذه المحاكم تختص بالثدييات الكبيرة والحيوانات المستأنسة التي تعيش على مقربة من البشر، مثل الأبقار والخيول والأغنام والخنازير، وكانت التهمة الأكثر شيوعاً في هذه المحاكم هي “القتل العمد”، فالخنازير، التي كانت تُربى بحرية في القرى والأزقة الأوروبية، كانت تُحاكم تكراراً بتهمة مهاجمة وقتل الرضع والأطفال الصغار.الصنف الثاني المحاكم الكنسية وخُصصت هذه المحاكم لمواجهة الآفات الطبيعية والحيوانات الصغيرة التي لا يمكن القبض عليها فرادى، مثل أسراب الجراد، والفئران، والجرذان، واليرقات، والقواقع. ونظراً لأن هذه الكائنات كانت تهدد الأمن الغذائي بتدميرها للمحاصيل الزراعية، فقد كانت الكنيسة تتدخل عبر محاكمها لإصدار أحكام جماعية ضدها، تهدف إلى دفع الضرر عن رعاياها.

اقرأ أيضاً
يضم 40 وحدة صناعية.. مدينة أبها تزيح الستار عن “مجمع المصانع الجاهزة”

يضم 40 وحدة صناعية.. مدينة أبها تزيح الستار عن “مجمع المصانع الجاهزة”

إجراءات وعقوبات

كانت محاكمات الحيوانات تتبع ذات الآليات والبروتوكولات المعقدة التي يخضع لها البشر، فلم يكن يُحكم على حيوان تلقائياً، بل كانت تُرفع دعاوى رسمية، ويُعين قضاة ووكلاء نيابة، ويُتاح للمتهمين من الحيوانات محامون للدفاع عنهم. كان هؤلاء المحامون يستميتون في البحث عن ثغرات قانونية لحماية موكليهم من الحيوانات، كالدفع بأن المتهم لم يكن في كامل وعيه، أو أن الجريمة وقعت نتيجة تقصير أصحاب الحيوان.وفي حال ثبوت الإدانة، كانت العقوبات صارمة ومماثلة لتلك المفروضة على البشر، فالحيوانات المدانة بالقتل كانت تُسجن في السجون العامة إلى جانب المجرمين من البشر، ثم تُساق إلى الساحات العامة ليتم إعدامها شنقاً أو حرقاً أو دفناً وهي حية، على يد الجلادين المحترفين أنفسهم وبحضور جمهور غفير. أما في المحاكم الكنسية، فكانت العقوبة الشائعة للحشرات والقوارض هي “الطرد من الكنيسة” أو اللعن، وصدرت أحكام كنسية عديدة تأمر أسراب الجراد أو الفئران بإخلاء الحقول والانتقال إلى مناطق قاحلة ومحددة لا تسبب فيها أذى للبشر.

الردع الجماعي

تجاوز مفهوم العقاب مجرد القصاص من الحيوان الجاني ليمتد إلى فكرة “الردع العام”،فقد سادت ممارسة تُعرف بتعليق جثث الحيوانات أو تشويهها علناً، كتعليق الأرانب أو الثعالب على أغصان الأشجار، ظناً من البشر أن الحيوانات الأخرى من نفس الفصيل ستمر وتستخلص العبرة من رؤية جثة بني جنسها مصلوبة، مما يمنعها من الاقتراب من الممتلكات.القطط خارج المنظومةمن المثير للاهتمام في السجلات التاريخية أن بعض الحيوانات تميزت بنجاة شبه كاملة من هذه المنظومة العقابية، وعلى رأسها القطط. فبينما وُجدت مئات السجلات التي تدين الكلاب والخنازير والجراد، ظلت القطط بمنأى عن المحاكمات الجنائية. ويرجع المؤرخون ذلك إلى طبيعة القطط وجسدها، فهي لم تكن تمتلك الحجم الكافي لنطح البشر أو قتل الأطفال مثل الخنازير والماشية، ولم تكن تعض الناس بشكل خطير كالكلاب، ولم تكن تهاجم المحاصيل كالقوارض والجراد. ورغم أن القطط تعرضت للاضطهاد والقتل خارج نطاق القضاء في فترات ارتبطت فيها بالخرافات والسحر، إلا أنها أمام المنصة القضائية اعتُبرت كائنات “ملتزمة بالقانون” لعجزها البيولوجي عن ارتكاب الجرائم الكبرى.

كاتب المقال

تعتبر سارة أحمد واحدة من الأصوات المميزة في فريقنا الرياضي، حيث تقدم تغطيات شاملة وتحليلات فنية للمباريات. تهتم بإبراز دور المرأة في الرياضة وتحرص على نقل الأخبار من منظور مختلف يعكس روح الفريق. مقالات سارة تجمع بين الاحترافية والأسلوب السلس، مما يجعلها محببة لدى جمهور الموقع.