مارجان ساترابي: رحيل المخرجة والرسامة التي كسرت الصور النمطية عن إيران

صدر الصورة، AFP via Getty ImagesPublished قبل 2 ساعةمدة القراءة: 4 دقائقتوفيت الكاتبة والمخرجة ومؤلفة القصص المصوّرة الفرنسية-الإيرانية مارجان ساترابي عن عمر ناهز 56 عاماً في باريس اليوم، وفق ما أعلن مقرّبون منها لوكالة الأنباء الفرنسية. وأفيد أنّ ساترابي “توفيت حزناً بعد أكثر من عام بقليل على وفاة زوجها ماتّياس ريبا الذي كان حبّ حياتها”.كانت ساترابي واحدة من أبرز الأصوات الفنية التي نقلت التجربة الإيرانية المعاصرة إلى العالم، عبر فن الرواية المصوّرة، في مسيرة جمعت بين الأدب والسينما والعمل الثقافي.صدر الصورة، AFP via Getty Imagesالتعليق على الصورة، مارجان ساترابي وزوجها الراحل ماتياس ريبا في مهرجان روما السينمائي عام 2012ولدت مارجان ساترابي في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1969 في مدينة رَشت شمالي إيران، ونشأت في طهران في أسرة مثقفة وميسورة نسبياً، ذات ميول سياسية منفتحة.عايشت في طفولتها التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد، من سقوط نظام الشاه إلى قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، وما تبعها من قيود اجتماعية وسياسية صارمة.وفي سن الرابعة عشرة، أرسلها والداها إلى النمسا خوفاً على مستقبلها في ظل التشدد المتزايد. هناك، واجهت تجربة اغتراب قاسية، شملت فترات من العزلة وحتى التشرد، قبل أن تعود إلى إيران ثم تغادرها نهائياً في أوائل التسعينيات.استقرّت لاحقاً في فرنسا منذ عام 1994، وحصلت على الجنسية الفرنسية في عام 2006، لتصبح إحدى أبرز الوجوه الثقافية في المشهد الفرنسي الأوروبي. وقد لخّصت هذه الازدواجية في مقابلاتها بقولها إنها كانت “غربية في إيران وإيرانية في الغرب”، في إشارة إلى أزمة الهوية التي لازمت تجربتها في المنفى.صدر الصورة، Gettyالتعليق على الصورة، إحدى صفحات العمل الأصلي من كتاب “برسبوليس” للفنانة مارجان ساترابي معروضة في دار سوذبيز عام 2022حققت ساترابي شهرتها العالمية مع سلسلة “برسبوليس” (2000–2003)، وهي سيرة ذاتية مصوّرة روت فيها طفولتها ومراهقتها في طهران خلال الثورة والحرب العراقية الإيرانية، ثم سنواتها الصعبة في أوروبا. تميّز العمل بأسلوب بصري بسيط، لكنه حمل مضامين سياسية وإنسانية عميقة، ما يجعله أحد أهم أعمال “الرواية المصوّرة” الحديثة.وفي عام 2007، حوّلت ساترابي الكتاب إلى فيلم رسوم متحركة شاركت في إخراجه، عرض في مهرجان “كان” ورشّح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم رسوم متحركة، في إنجاز غير مسبوق لكاتبة من أصول إيرانية.وقد ساهم “برسبوليس” في تغيير التصورات الغربية عن إيران، إذ قدّم صورة إنسانية عن مجتمع معقّد، بعيداً عن الصور النمطية، وهو ما أكدت عليه ساترابي مراراً في مقابلاتها، معتبرة أن “الصور وسيلة لفهم الآخر، وأن الرسم لغة عالمية تتجاوز الحدود”.صدر الصورة، AFP via Getty Imagesالتعليق على الصورة، الكاتبة والرسامة الفرنسية-الإيرانية مارجان ساترابي (يمين) تلقي كلمة إلى جانب الصحافية الفرنسية لور أدلر (يسار) خلال مسيرة في ميدان الباستيل، في الذكرى الثانية للاحتجاجات التي اندلعت عقب وفاة مهسا أمينيلم تقتصر تجربة ساترابي على “برسبوليس”، بل وسّعت حضورها إلى أعمال أدبية وسينمائية أخرى، منها “تطريزات” (Embroideries) و”دجاج بالبرقوق” (Chicken with Plums)، الذي حوّلته إلى فيلم عام 2011. كما أخرجت أعمالاً سينمائية لاقت اهتماماً دولياً، بينها “الأصوات” (The Voices) عام 2014 و”راديواكتيف” (Radioactive) عام 2019، وهو فيلم عن حياة العالمة ماري كوري.وبرغم انتقالها إلى السينما، ظلّت ترى أن الرسم هو وسيلتها الأساسية للتعبير، إذ قالت في أكثر من لقاء إن “الرسم هو اللغة الأولى للإنسان قبل الكتابة”، لأنه يخلق تواصلاً مباشراً مع المتلقي.وعرفت ساترابي بمواقفها الصريحة، فكانت من أبرز المنتقدين للنظام الإيراني القائم على الحكم الديني، ودافعت عن الحريات الفردية وحقوق النساء.كما لعبت دوراً بارزاً في توثيق احتجاجات “امرأة، حياة، حرية” التي اندلعت بعد وفاة مهسا أميني عام 2022، من خلال كتاب جماعي أشرفت عليه عام 2023، سعت فيه إلى “شرح ما يجري بلغة بصرية يفهمها العالم”. ومع ذلك، ظلّت حذرة إزاء تأثير الفن، إذ قالت إن الكتب والأفلام “لا تغيّر العالم مباشرة، لكنها تثير فضول الناس وتفتح باب الفهم”، معتبرة أن التغيير يأتي من تراكم هذه التأثيرات الصغيرة.وفي عام 2025، رفضت ساترابي وسام “جوقة الشرف” الفرنسي، أحد أرفع الأوسمة الرسمية، متهمة الحكومة الفرنسية بـ”النفاق” في تعاملها مع إيران. وأشارت إلى سياسات التأشيرات التي “تمنح الأفضلية لأبناء النخب الثرية، بينما يواجه المعارضون صعوبات في مغادرة البلاد”، في موقف عكس استقلاليتها ورفضها للتوافق السياسي.مثّلت مارجان ساترابي حالة فريدة في الثقافة المعاصرة، وامتد تأثيرها إلى ملايين القرّاء والمشاهدين حول العالم، وأسهمت في ترسيخ “الرواية المصوّرة” كأداة سردية جادّة، قادرة على تناول القضايا الكبرى من زاوية إنسانية.وبين طهران وباريس، وبين الطفولة والمنفى، تركت ساترابي إرثاً فنياً يختزل صراع الهوية والحرية.

كاتب المقال

محمد مصطفى كاتب رياضي متخصص في متابعة الأحداث الرياضية المحلية والعالمية. يتميز بحرصه على نقل التفاصيل الدقيقة للمباريات والبطولات، وتحليله الشامل لأداء الفرق واللاعبين. يعكس في كتاباته شغفه الكبير بالرياضة وحرصه على تقديم كل جديد لجمهور الموقع.