قصيدة المناجاة الإماراتية.. تأملات شعرية تهمس بأصداء الروح

في فضاءات الشعر الإماراتي، تتجلّى قصيدة المناجاة كنافذة مفتوحة على العمق الروحي، حيث يتجه الإنسان إلى خالقه عز وجل ناطقاً بلغة صافية تفيض خشوعاً. هذا الشكل الشعري لم يكن مجرد استدعاء للمعاني الدينية فحسب، بل كان رحلة فنية تكشف عن الحس الإبداعي لشاعر الإمارات، الذي يجد في المناجاة مساحة للتأمل الفردي والجماعي.ومع مرور الوقت، شهدت المناجاة الإماراتية تحولات جذرية على صعيد الشكل والأسلوب، فانتقلت من صياغة تقليدية إلى أفق أكثر مرونة في التعبير الفني، يسمح للشاعر بإدماج الصور البيئية، مثل البحر والصحراء والنخيل، لترمز إلى قدرة الله تعالى وعظمته.لقد شكلت قصيدة المناجاة الإماراتية جسراً بين الروح والتراث والإبداع المعاصر، فهي لا تكتفي بتقديم محتوى روحاني، لكنها تقدم تجربة جمالية متكاملة، تجمع بين الموسيقى الداخلية للكلمة، وعمق المعنى، ودقة الصورة، لتصبح بذلك نصاً حياً ينبض في وجدان المجتمع الإماراتي.

فهد المعمري

اقرأ أيضاً
الإمارات للتنمية المتوازنة” يُعلن فتح باب التسجيل في برنامج “صيف قرى الإمارات 2026

الإمارات للتنمية المتوازنة” يُعلن فتح باب التسجيل في برنامج “صيف قرى الإمارات 2026

وأكد الباحث في التراث الشعبي، فهد المعمري، في حديثه لـ«البيان»، أن قصيدة المناجاة تمثل أحد المسارات الأكثر شفافية في التعبير عن الحس الروحي والوجداني ضمن التجربة الشعرية المحلية في دولة الإمارات.موضحاً أن هذا النوع من النصوص يتأسس في جوهره على العزلة الداخلية، حيث يُبنى الخطاب فيها ليكون موجهاً إلى المطلق، سواء كانت المناجاة للذات الإلهية، أو الوطن، أو الحبيب بوصفه رمزاً متعالياً.وفي قراءته للسمات الفنية التي تشكل هوية قصيدة المناجاة الإماراتية، أشار المعمري إلى عناصر مركزية، أبرزها اللغة التي تتسم بالبساطة الشفافة والاقتصاد اللفظي، وتستمد في الشعر النبطي قوتها من مفردات البيئة الصحراوية كالليل والنجوم والسكون.

القصيدة تستمد في الشعر النبطي قوتها من مفردات البيئة الصحراوية

بينما تميل في الفصيح إلى صفاء تعبيري يقترب من حالة التضرع. ونوَّه بأهمية الصورة الشعرية التي لا تشكّل في المناجاة مجرد زخرف، بل هي أداة كشف داخلي تقوم على الاستعارة الكونية.حيث تتحول عناصر الطبيعة كالصحراء إلى فضاء للاختبار الروحي، لافتاً إلى قيمة الإيقاع والخطاب؛ إذ إن القصيدة النبطية تحافظ على بحورها التقليدية لتعزيز نبرة الابتهال، في حين يهيمن على الخطاب ضمير المخاطب المفرد الذي يجعل النص حوارياً في باطنه رغم كونه أحادياً في ظاهره.واستعرض المعمري مراحل تطور هذا الفن، مشيراً إلى ثلاث محطات رئيسة: المرحلة التقليدية حين ارتبطت المناجاة بالمديح الديني والابتهال الممزوج بالحكمة، ومرحلة التحول الثقافي (السبعينيات – التسعينيات) التي اتجه فيها الشعر الإماراتي نحو الذات القلقة والخطاب المنفرد بالتزامن مع قيام الاتحاد وتوسع التعليم، والمرحلة المعاصرة، وفيها اتسعت الرؤية الشعرية لتشمل قضايا الهوية والإنسان في ظل العولمة، لتصبح أكثر تكثيفاً وتأملاً.وأكد أن قدرة الشاعر على تجديد اللغة وربط التجربة الذاتية بالأسئلة الوجودية الكبرى هي الرهان الحقيقي للاستمرارية، قائلاً: «إن المناجاة قادرة على إعادة صياغة ذاتها بوصفها فن الإصغاء الداخلي في زمن الضجيج، وهو ما يمنحها امتداداً لا انقطاعاً».

شاهد أيضاً
انطلاق التسجيل في برنامج «شباب الطاقة النظيفة» بدبي

انطلاق التسجيل في برنامج «شباب الطاقة النظيفة» بدبي

موروث ديني

أحمد المهيري

واستعرض الشاعر أحمد بن غافان المهيري الهوية الفنية والجمالية لقصيدة المناجاة في الإمارات، موضحاً أنها تمثل تجلياً روحياً يربط بين الموروث الديني والوجدان الوطني، وأن هذا اللون الشعري استطاع الحفاظ على جوهره الأصيل برغم التحولات الثقافية المتسارعة التي شهدتها المنطقة.وأشار إلى أن قصيدة المناجاة الإماراتية تتسم بلغة عربية فصحى أصيلة مشبعة بالروحانيات، وغالباً ما تميل نحو البساطة لتقترب من روح الدعاء الخالص، لافتاً إلى حضور اللهجة المحلية في بعض النصوص الشعبية كعنصر إغناء للهوية الأدبية.وفيما يخص البناء الصوري، أكد المهيري أن الصور الشعرية مستمدة بشكل حي من الطبيعة الإماراتية، حيث تبرز عناصر (البحر، والصحراء، والليل، والرياح) كرموز تعكس الضعف الإنساني أمام عظمة الخالق، مستشهداً في هذا السياق بتجربة الشاعرة الراحلة عوشة السويدي (فتاة العرب)، التي رسمت في مناجاتها حالات النفس الطاهرة بنفحات روحية عالية.وعلى صعيد البناء الموسيقي، أوضح المهيري أن الإيقاع يعتمد بشكل أساسي على التكرار والسجع لتعزيز حالة التأمل والابتهال، واصفاً الخطاب في هذه القصائد بأنه «مباشر وحميمي».حيث تتجلى علاقة العبد بربه في صيغ مثل (يا رب، إلهي)، وتعكس مزيجاً من التذلل لله والرجاء والحب الإلهي. وضرب المهيري مثالاً من نتاجه الشعري الخاص، مستشهداً بأبيات من قصيدته الموجهة لابنته «فاخرة»، والتي يقول فيها: «يا إله الكون يا ربي ورب الأنام.. تحفظ النور الذي صار بوجوده اليوم عيد».وحول مراحل تطور هذا الفن، أشار المهيري إلى أن البدايات كانت مرتبطة بالتراث القديم والشعر الديني التقليدي، إلا أن النقلة النوعية حدثت مع «جماعة الحيرة» وشعراء ما بعد الاتحاد، مثل حمد خليفة بوشهاب ومعالي مانع سعيد العتيبة.حيث اندمجت المناجاة بالتأمل الوطني والروحي الشامل. وفي ختام حديثه، أكد المهيري أن مستقبل قصيدة المناجاة يبقى واعداً؛ لأنها لون شعري يتجدد باستمرار تلبية للحاجة الإنسانية الدائمة للروحانية في ظل التسارع الرقمي والعولمة.

كاتب المقال

تعتبر سارة أحمد واحدة من الأصوات المميزة في فريقنا الرياضي، حيث تقدم تغطيات شاملة وتحليلات فنية للمباريات. تهتم بإبراز دور المرأة في الرياضة وتحرص على نقل الأخبار من منظور مختلف يعكس روح الفريق. مقالات سارة تجمع بين الاحترافية والأسلوب السلس، مما يجعلها محببة لدى جمهور الموقع.