سريعة المنصوري.. سحر التراث يسرق البصر
16 يونيو 2026 13:52 مساء
|
آخر تحديث:
16 يونيو 14:39 2026
سريعة المنصوري
الخلاصة
سريعة المنصوري تعيد صياغة التراث الإماراتي بمعاصرة وابتكار، ولوحتها «شموخ الأصالة» تبرز الهوية عبر تفاصيل الزي واللون والتوازن البصري
كثيرةٌ هي الأعمال الفنية التي عالجت موضوعات التراث المختلفة، غير أن هناك من الفنانين الإماراتيين من أقبل على ذلك الفعل الإبداعي بروح الابتكار والتجدد من أجل ترسيخه وجعله معاصراً، ما يعزز الهوية ويربط بين الماضي والحاضر، ويجعل من الموروث مجالاً للتأويل الإبداعي.تُعدُّ الفنانة سريعة راشد المنصوري واحدةً من التشكيليات الإماراتيات اللواتي تعاملن مع التراث بصورة تنتمي إلى الحاضر المعاش فهي تعمل على استدعاء الموروث الإماراتي والخليجي في فضاء لوحاتها بأسلوب يدمج بين عبق الماضي وتطور المستقبل. وهي لا تنقل التراث بشكل تقليدي جامد، بل تعيد صياغته ليكون حياً ومبهجاً وفي سبيل ذلك طرقت العديد من المجالات الإبداعية الجديدة، لا سيما الفن الرقمي. وقد وضعت سريعة بصمة خاصة بها في المشهد التشكيلي المحلي والخليجي، عبر أعمال تعكس الهوية الإماراتية وإبراز ملامحها.ومن أهم هذه الأعمال التي تعكس فيها الفنانة ثراء التراث المحلي، لوحةُ «شموخ الأصالة»، التي تتفجر فيها الطاقات الإبداعية لسريعة؛ إذ عملت من خلالها على تحقيق فكرة ربط التراث بالأصالة، والماضي بالحاضر ما جعل اللوحة تنال شهرة واسعة. وقد استغرقت الفنانة في رسم هذه اللوحة عدة أشهر، وشاركت بها في محافل ثقافية متميزة، مثل معرض القاهرة الدولي للكتاب، وحظيت بإعجاب كبير من الجمهور والنقّاد.واللوحةُ عبارة عن عمل فني يفيض بجمال الموروث وسحر الهوية الإماراتية؛ إذ تظهر في مشهدها امرأة بملامح هادئة وقوية وصامتة، تحمل نظرة عينيها مشاعر الفخر والاعتزاز بالانتماء الوطني، والاعتزاز بالأصالة. وتجسد هذه المرأة القيم العربية والإماراتية، من خلال إبراز الحشمة والوقار في زيها التقليدي.
*تفاصيل
قدمت الفنانة في هذه اللوحة العديد من الاشتغالات البديعة؛ إذ جاء العمل عامراً بالتفاصيل، مع التركيز على زي المرأة بوصفه رمزاً للتراث. فهي ترتدي «شيلة» سوداء يزين أطرافها شريط ذهبي لامع يحيط بوجهها، الأمر الذي يبرز جمال تفاصيله. وتتزين المرأة بحُليٍّ ذهبية تراثية ثقيلة تُسمى «المرتعشة» وهي من القلائد الإماراتية القديمة، وتُعرف أيضاً بـ «شلال الذهب»، وهي عبارة عن عقد عريض يتدلى من الرقبة ليغطي مساحة الصدر، وتتميز بتفاصيل دقيقة وحلقات ذهبية متصلة ببعضها، وجاءت رمزاً للوجاهة والزينة في المناسبات السعيدة قديماً. وقد رُسمت هذه «المرتعشة» بدقة فائقة لإظهار بريق الذهب الأصفر.ومن أهم التفاصيل الفنية في اللوحة غصن الوردة التي تعرف باسم «الجهنمية»، إذ يمتد هذا الغصن الزاهي على الجانب الأيسر، واشتهرت الفنانة باستخدام هذا النوع من الورود في أعمالها، وهو في هذه اللوحة يعبر عن اختيار ذكي يربط بين المرأة وبيئتها المحلية، إذ تعتبر «الجهنمية» من ضمن النباتات الشهيرة التي تزيين البيوت الإماراتية، الأمر الذي يضفي على مشهد العمل لمسة من الرقة والحياة، بالتالي فإن اللوحة، في دلالاتها الرمزية، تقدم حكاية بصرية عن الزينة والأزياء المحلية بأسلوبية فنية معاصرة تدمع بين دقة التفاصيل وجمالية التعبير.
*فلسفة لونية
لعلَّ من أبرز الاشتغالات في هذا العمل، تلك البراعة في توظيف الألوان وتوزيعها بدرجاتها المختلفة ما يشير إلى قدرة الفنانة على صناعة توازن بصري بديع يلفت أنظار المشاهد، ويجعله في حالة تأملية لا تنقطع. فالمشهد لا يعبر عن الحالة الجمالية فحسب، بل والفكرية كذلك باعتبار أن اللوحة تعالج موضوع التراث بشكل أساسي ومكانته في الوقت الحاضر. وقد استطاعت سريعة أن تخدم هذه الوجهة الفكرية عبر توظيف الألوان الساطعة والخافتة، وعملت على رسم علاقة قوية بين هذه التناقضات اللونية.ومن الواضح أن الخطة اللونية في اللوحة لم تكن مجرد عمل تزييني، رغم أهمية ذلك، بل إن الفنانة تعاملت مع الألوان كأداة لنقل الشعور بالدفء والأصالة إذ عملت سريعة على توزيع لون الثوب، وهو الأزرق السماوي، في منتصف اللوحة من أجل كسر الخلفية البرتقالية. ويبدو أن هناك غاية واضحة من وراء التباين القوي بين اللونين: الأزرق البارد والبرتقالي الدافئ والمقصود هو أن تتوجه عين المشاهد نحو المرأة مباشرة، باعتبارها بطلة العمل والعنصر الرئيسي في اللوحة.وقد حفلت اللوحة بالممارسات الفنية التي أضافت إليها أبعاداً جمالية كثيرة إذ استخدمت الفنانة تقنيات ذكية ومدروسة، خرجت بها بالعمل من إطار الرسم التوثيقي التقليدي نحو عمق فني فريد، جاء مدفوعاً بقوة الابتكار لـتجمع اللوحة في النهاية بين حداثة الأسلوب وتراثية المضمون.



