ذرات البلوتونيوم قد تكشف عن تصادم كوني قديم
القاهرة – بوابة الوسط الثلاثاء 16 يونيو 2026, 03:06 مساء قد ترجع حفنة من ذرات البلوتونيوم المشعة المخفية في قاع المحيط إلى كارثة كونية حدثت قبل أكثر من 100 مليون عام. والأكثر إثارة من ذلك. هو أن هذا الغبار النجمي يبدو أنه ما يزال يتساقط على عالمنا اليوم. كبقايا عالقة من حدث قديم قد يكون ناتجًا عن اصطدام نجمين نيوترونيين. تؤدي مثل هذه الاصطدامات إلى انفجارات هائلة وساطعة تُعرف باسم «الكيلونوفا» (Kilonovae). وهي الانفجارات المسؤولة عن تخليق بعض من أثقل العناصر وأكثرها قيمة في الكون. وهذه ليست المرة الأولى التي يستدعي فيها العلماء حدث الكيلونوفا لتفسير البصمات العنصرية الغريبة التي عُثر عليها في قاع البحر، بحسب الدراسة المنشورة في مجلة «نيتشر أسترونومي» (Nature Astronomy). لكن النتائج الجديدة. التي قادها الفيزيائي دومينيك كول من معهد «هلمهولتز زنتريوم درسدن روسندورف» في ألمانيا. قد تساعد في تحديد وقت وقوع هذا الحدث بدقة. مما يسلط الضوء على البحار المجرية المتغيرة التي أبحرت عبرها سفينتنا الكوكبية (الأرض) منذ أزل سحيق. يقول الفيزيائي أنطون والنر من معهد هلمهولتز زنتريوم درسدن روسندورف: «تشير نتائجنا إلى أن البلوتونيوم نشأ من انفجارات كونية نادرة جدًا. مثل تلك التي تحدث أثناء اندماج نجمين نيوترونيين أو في المستعرات الأعظمية (السوبرنوفا) شديدة الطاقة. ومنذ ذلك الحين. تشتت هذا العنصر وتوزع عبر الوسط النجمي». لغز البلوتونيوم-244
يُعد البلوتونيوم أحد أثقل العناصر الموجودة طبيعيًا في الكون. ويُعتقد أن النظير المشع ذي الصلة بهذا البحث الجديد. البلوتونيوم-244. لا يتشكل إلا في الأحداث الكونية النادرة القادرة على غمر الذرات بالنيوترونات. وخلال هذه العملية التي تُعرف بـ«عملية التقاط النيوترون السريعة» أو (r-process). تمتص النواة الذرية النيوترونات بسرعة وتصبح أثقل. لتُخلق بعض أثقل عناصر الكون. ويُعد انفجار الكيلونوفا الناتجة عن تصادم نجمين نيوترونيين المرشح الأبرز كبيئة حاضنة لهذه العملية. – اكتشاف 31 نوعاً بحرياً جديداً قبالة البرازيل وتصوير كائن مجهري حي ثلاثي الأبعاد للمرة الأولى
– «شبكة الحياة الخفية».. فطريات داخل الأرض تعمل كوسيط للتواصل بين النباتات
– دراسة تؤكد وجود كوكب مفقود بحجم المريخ في فجر النظام الشمسي بناءً على ذلك. فإن أي بلوتونيوم-244 يوجد طبيعيًا على الأرض اليوم يُستدل منه على أنه ذو أصل كوني. لكن المفارقة هنا هي أن البلوتونيوم-244 يمتلك فترة «عمر نصف» تبلغ نحو 81 مليون سنة فقط؛ ومِن ثَمَّ فإن أي بلوتونيوم بدائي كان موجودًا على الأرض عند تشكل النظام الشمسي لا بد أنه تحلل واختفى تمامًا منذ زمن طويل. هنا يأتي دور «القشرة الحديدية والمنغنيزية» الموجودة في أجزاء من قاع المحيط. فهذه القشرة تنمو ببطء شديد. مليمترًا تلو الآخر. وتتراكم على مدى ملايين السنين. محتفظة بلقطة حية لبيئتها مع كل طبقة تتشكل. فهي بمثابة سجل للمواد الجسيمية التي استقرت في قاع البحر. والتي يستخدمها العلماء لمعرفة طبيعة البيئة الفضائية المحيطة بكوكبنا. في السابق. فسر علماء الفلك وجود البلوتونيوم-244 في جزء من هذه القشرة المحيطية على أنه دليل على وقوع انفجار (r-process) قبل نحو 3.5 مليون سنة. وتوصلوا إلى هذا الجدول الزمني من خلال تقدير مدى بعد الانفجار. والوقت الذي استغرقته المقذوفات للوصول إلى الأرض. بناءً على كمية البلوتونيوم التي عثروا عليها. مقاربة بحثية جديدة
لكن «كول» وزملائه اتبعوا نهجًا مختلفًا؛ فبدلاً من العمل العكسي استنادًا إلى كمية «البلوتونيوم-244». بحثوا عن علامات لنظير مشع آخر يُفترض أن يتشكل جنبًا إلى جنب مع البلوتونيوم في انفجارات (r-process). وهو «الكوريوم-247». والذي يبلغ عمر نصفه 16 مليون سنة. باستخدام جزء من القشرة الحديدية والمنغنيزية جُرف من عمق 4.830 مترًا (15.850 قدمًا) تحت المحيط الهادئ في العام 1976. أجرى الباحثون مسحًا للبحث عن البلوتونيوم-244. والكوريوم-247. ونظير مشع للحديد هو «الحديد-60». وهو أيضًا ذو أصل كوني. يمتلك الحديد-60 عمر نصف يبلغ 2.6 مليون سنة فقط. وفُسر وجوده في عينات سابقة كدليل على حطام من أحداث مستعر أعظم (سوبرنوفا) أكثر حداثة. تحديدًا مستعرين قُدّر أنهما وقعا قبل نحو 2.5 و7 ملايين سنة على التوالي. يوضح كول: «يُعد الحديد-60 بصمة واضحة للمستعرات الأعظمية التقليدية. لذلك بحثنا عن كل من الحديد-60 والبلوتونيوم-244 وقارنا بين الآثار». لو كان البلوتونيوم-244 قد أُنتج في حدث حديث نسبيًا. لكانت آثار الكوريوم-247 لا تزال موجودة في القشرة المحيطية؛ لكنهم لم يعثروا على أي دليل مقنع على وجوده. يشير هذا إلى أن البلوتونيوم-244 لم يُنتج في نفس المستعرات الأعظمية التي أنتجت الحديد-60. بل يبدو أنه قادم من حدث (r-process) أقدم بكثير. تشتت حطامه منذ فترة طويلة في الفضاء النجمي؛ إذ تحلل الكوريوم-247 الذي أُنتج معه. بينما بقي بعض البلوتونيوم-244 لأنه يتحلل ببطء أكبر. يقول الفيزيائي «مايكل هوتشكيس» من المنظمة الأسترالية للعلوم والتكنولوجيا النووية: «إن غياب نظير الكوريوم المشع (كوريوم-247). الذي أُنتج أيضًا في الانفجار. يخبرنا أن الحدث وقع منذ زمن بعيد جدًا. ولكنه لم يحدث قبل أكثر من مليار سنة، وإلا لكان البلوتونيوم-244 غير قابل للكشف أيضًا». الإبحار عبر حطام الماضي
على الرغم من أننا لا نستطيع معرفة نوع الانفجار الدقيق الذي أنتج البلوتونيوم-244. إلا أن الباحثين يعتقدون أنه جاء على الأرجح من حدث (r-process) قديم ونادر. مع كون الكيلونوفا من بين المرشحين الرئيسيين. وأنه وقع قبل أكثر من 100 مليون عام. وتتحرك الأرض الآن عبر الحطام الذي خلفه وراءه. ربما لم يكن الانفجار قريبًا جدًا من الأرض وقت حدوثه. لكن مثل هذه الآثار تمنح العلماء وسيلة لفهم تاريخ الانفجارات في مجرة درب التبانة ورحلة النظام الشمسي عبر الكون. كما قد يساعدنا ذلك على فهم المزيد عن تاريخ الأرض؛ من أين جاءت معادنها الثقيلة. والدور الذي لعبته الانفجارات الماضية في تطور كوكبنا. ويختتم هوتشكيس حديثه بتساؤل مفتوح قائلًا: «هل أثر هذا الحدث على الحياة على الأرض؟ هذا سؤال مفتوح سيجري التحقق منه في الأبحاث المستقبلية».

