السعودية تحقق إنجازًا تاريخيًا بإتمام أول صيانة شاملة لمقاتلة تايفون خارج أوروبا

موقع الدفاع العربي – 28 يونيو 2026: شهدت المملكة العربية السعودية إنجازًا دفاعيًا بارزًا يعكس التطور المتسارع الذي تشهده في مجال الصناعات العسكرية والطيران، بعدما نجحت الكوادر الوطنية في قاعدة الملك فهد الجوية بمدينة الطائف في تنفيذ أول عملية صيانة شاملة ومعقدة لمقاتلة “يوروفايتر تايفون” خارج القارة الأوروبية. ويُعد هذا الإنجاز محطة مفصلية في مسيرة توطين القدرات الدفاعية، إذ يؤكد امتلاك المملكة الكفاءات الفنية والهندسية اللازمة لصيانة واحدة من أكثر الطائرات المقاتلة تطورًا في العالم، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي في القطاع العسكري.

أول صيانة ثقيلة لطائرة تايفون خارج أوروبا

تمكنت الفرق الفنية التابعة للقوات الجوية الملكية السعودية من إنجاز أول فحص صيانة ثقيل مجدول لطائرة “يوروفايتر تايفون” بعد وصولها إلى 2500 ساعة طيران، في سابقة تُنفذ خارج أوروبا منذ دخول هذا الطراز الخدمة.
واستغرقت أعمال الصيانة نحو 180 يومًا من العمل المتواصل داخل منشأة متخصصة في قاعدة الملك فهد الجوية، وهي المنشأة الوحيدة خارج القارة الأوروبية المعتمدة لتنفيذ هذا النوع من أعمال الصيانة المتقدمة. كما اعتمد المشروع بصورة كبيرة على الكفاءات الوطنية، إذ بلغت نسبة الفنيين والمهندسين السعوديين المشاركين في العملية نحو 80% من إجمالي القوى العاملة.

اقرأ أيضاً
«مجلس المناطق الحرّة» يناقش حزمة مبادرات استراتيجية تعزز تنافسية دبي العالمية

«مجلس المناطق الحرّة» يناقش حزمة مبادرات استراتيجية تعزز تنافسية دبي العالمية

لماذا تُعد هذه الصيانة من أكثر العمليات تعقيدًا؟
لا تمثل هذه العملية مجرد أعمال صيانة دورية، بل تُصنف ضمن أعلى مستويات الصيانة العسكرية للطائرات المقاتلة، والمعروفة في قطاع الطيران باسم الصيانة الثقيلة أو “فحص مستوى المركز”. ويكتسب هذا النوع من الفحوص أهمية استثنائية لأنه يتطلب تفكيك أجزاء رئيسية من هيكل الطائرة وإجراء مراجعة شاملة لجميع الأنظمة الحيوية قبل إعادة تأهيلها للخدمة القتالية.
وتشمل العملية تفكيك المكونات الهيكلية الأساسية للطائرة بالكامل، وإجراء فحوص دقيقة للأنظمة الداخلية التي لا يمكن الوصول إليها خلال أعمال الصيانة الاعتيادية، إضافة إلى تنفيذ اختبارات صارمة لسلامة الهيكل ومتانة المواد، مع استبدال المكونات الحيوية التي تستدعي ذلك. وبعد الانتهاء من جميع الفحوص، تُعاد عملية تجميع الطائرة وفق أعلى المعايير الهندسية، قبل إخضاعها لسلسلة من الاختبارات التي تؤكد جاهزيتها للعودة إلى العمليات الجوية.
ويؤكد خبراء الطيران أن الحفاظ على سلامة الهياكل المعدنية والمواد المركبة المستخدمة في المقاتلات الأسرع من الصوت يتطلب بيئة عمل شديدة الدقة وكفاءات هندسية متقدمة تتجاوز مجرد الالتزام بالكتيبات الفنية، إذ يعتمد النجاح في مثل هذه العمليات على خبرة تراكمية وقدرات بشرية عالية التأهيل.
مقاتلات “يوروفايتر تايفون” تابعة لسشلاح الجو السعودي
تايفون الأوروبية… وصيانة كانت حكرًا على القارة الأوروبية
تُعد “يوروفايتر تايفون” إحدى أكثر المقاتلات متعددة المهام تطورًا في العالم، وهي نتاج تعاون صناعي أوروبي بين شركات “بي إيه إي سيستمز” و”إيرباص” و”ليوناردو”. ومنذ دخولها الخدمة، كانت عمليات الصيانة الثقيلة لهذا الطراز تُجرى حصريًا داخل مراكز متخصصة في أوروبا، وهو ما يجعل نجاح المملكة في تنفيذ هذا المستوى من الصيانة محليًا إنجازًا استثنائيًا لم يحظ حتى الآن بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الدفاعية الغربية، رغم أهميته الاستراتيجية الكبيرة.
ويضم أسطول القوات الجوية الملكية السعودية حاليًا 71 مقاتلة “يوروفايتر تايفون” دخلت الخدمة من أصل 72 طائرة تم تسليمها للمملكة، وتتمركز بصورة رئيسية في قاعدة الملك فهد الجوية بالطائف.
ويُجرى الفحص الثقيل للطائرة بعد بلوغها 2500 ساعة طيران، فيما تستغرق عملية الصيانة الكاملة نحو 180 يومًا. كما بلغت نسبة توطين القوى العاملة في هذا المشروع 80% من الكوادر السعودية، بينما تواصل المملكة مفاوضاتها للحصول على 48 مقاتلة إضافية من الطراز نفسه، بما يرفع حجم الأسطول مستقبلًا إلى نحو 120 طائرة.

ثمرة سنوات من نقل التكنولوجيا

لم يكن الوصول إلى هذا الإنجاز نتيجة عمل قصير المدى، بل جاء بعد سنوات من التعاون بين شركة “بي إيه إي سيستمز” وشريكتها السعودية “شركة السلام للطائرات”، ضمن برنامج متكامل لنقل المعرفة وتوطين خدمات دعم وصيانة مقاتلات تايفون داخل المملكة.
وبدأت عملية نقل التكنولوجيا تدريجيًا عبر تطوير قدرات إصلاح إلكترونيات الطيران، حيث أصبحت “شركة الإلكترونيات المتقدمة” أول جهة خارج أوروبا تحصل على اعتماد لإصلاح إلكترونيات طائرات تايفون، وهو ما شكّل نقطة الانطلاق نحو امتلاك قدرات أكثر تعقيدًا.
وتشير تقارير متخصصة إلى أن توطين هذه القدرات يحقق فوائد استراتيجية مباشرة، أبرزها تقليص الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية، وتسريع عمليات الصيانة، ورفع مستوى الاعتماد الذاتي لدى الدول المشغلة لهذا الطراز.
ويُعد إنجاز دورة صيانة كاملة لطائرة بلغت 2500 ساعة طيران دليلًا على امتلاك المملكة ليس فقط التجهيزات الفنية والمنشآت المتطورة، بل أيضًا الخبرات البشرية المعتمدة القادرة على تنفيذ أعمال كانت تُنجز سابقًا داخل المراكز الأوروبية فقط.
مقاتلة يوروفايتر تايفون

شاهد أيضاً
طالبة تلقي بنفسها من شرفة منزلها بسبب امتحان الكيمياء

طالبة تلقي بنفسها من شرفة منزلها بسبب امتحان الكيمياء

جاهزية قتالية أعلى وتقليل زمن خروج الطائرات من الخدمة

تُشغّل القوات الجوية الملكية السعودية مقاتلات تايفون عبر ثلاثة أسراب تتبع الجناح الثاني في قاعدة الملك فهد الجوية بمدينة الطائف. ونظرًا للمهام العملياتية التي تنفذها هذه الطائرات وطبيعة البيئة الإقليمية، فإنها تسجل معدلات طيران مرتفعة مقارنة بعدد من الأساطيل الأخرى.
ولهذا، فإن امتلاك القدرة على تنفيذ الصيانة الثقيلة داخل المملكة يمثل مكسبًا استراتيجيًا يتجاوز الجانب الفني، إذ يضمن بقاء الطائرات بالقرب من قواعدها التشغيلية دون الحاجة إلى إرسالها إلى أوروبا، وهو ما يختصر مدة خروجها من الخدمة، ويخفض التكاليف اللوجستية، ويوفر ملايين الدولارات، ويرفع مستوى الجاهزية القتالية للأسطول.
كما يعكس اعتماد المشروع على كوادر سعودية بنسبة 80% نجاح برامج توطين الخبرات الفنية والهندسية في قطاع الصناعات العسكرية. كما يمهد هذا الإنجاز لتكوين قاعدة وطنية من المهندسين والفنيين القادرين على تنفيذ أكثر عمليات الصيانة تعقيدًا.
ومع زيادة عدد الطائرات التي ستخضع للفحص مستقبلاً، ستتراكم الخبرات المحلية بصورة أكبر، بما يسهم في تأسيس منظومة وطنية متكاملة لصيانة الطائرات العسكرية، ويدعم إنشاء وظائف تقنية عالية القيمة، ويعزز مساهمة الصناعات الدفاعية في الاقتصاد الوطني بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على قطاع النفط.

رؤية 2030 والتوسع المرتقب في أسطول التايفون

بحسب الخبير الدفاعي السعودي المتخصص في اللوجستيات والمشاريع العسكرية سليمان المقيم، فإن المركز الذي نفذ هذه العملية يُعد المنشأة الوحيدة خارج أوروبا الحاصلة على الاعتماد الرسمي لإجراء هذا المستوى من الصيانة الثقيلة لمقاتلات يوروفايتر تايفون.
ويأتي هذا التطور في إطار تنفيذ رؤية المملكة 2030، التي تستهدف توطين ما لا يقل عن 50% من الإنفاق العسكري، حيث يمثل نجاح المملكة في تنفيذ الصيانة الثقيلة لمقاتلة أوروبية متقدمة دليلًا عمليًا على تحقيق تقدم ملموس في نقل التكنولوجيا العسكرية.
وفي الوقت نفسه، تواصل الرياض مفاوضاتها للحصول على دفعة ثانية تضم 48 مقاتلة إضافية من طراز يوروفايتر تايفون، وهو ما سيرفع إجمالي الأسطول إلى نحو 120 طائرة. ومن المتوقع أن يؤدي هذا التوسع إلى زيادة حجم أعمال الصيانة في مركز الطائف، الذي أثبت جاهزيته لاستيعاب المزيد من المهام الفنية المعقدة.
وفي المجمل، يشكل نجاح المملكة في إنجاز أول عملية صيانة شاملة لمقاتلة “يوروفايتر تايفون” خارج أوروبا نقطة تحول في تاريخ القوات الجوية الملكية السعودية، ويؤكد أن برامج توطين الصناعات الدفاعية انتقلت من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ العملي. كما يعزز هذا الإنجاز الاستقلالية اللوجستية، ويرفع مستوى الجاهزية القتالية، ويضع أسسًا قوية لبناء قاعدة صناعية وتقنية قادرة على دعم القوات المسلحة لعقود مقبلة، بما ينسجم مع الطموحات الاستراتيجية للمملكة في مجال الدفاع والصناعات العسكرية.

كاتب المقال

تعتبر سارة أحمد واحدة من الأصوات المميزة في فريقنا الرياضي، حيث تقدم تغطيات شاملة وتحليلات فنية للمباريات. تهتم بإبراز دور المرأة في الرياضة وتحرص على نقل الأخبار من منظور مختلف يعكس روح الفريق. مقالات سارة تجمع بين الاحترافية والأسلوب السلس، مما يجعلها محببة لدى جمهور الموقع.