نظام الانتقالات في “فيفا”.. هل تقترب كرة القدم من ثورة قانونية…

 شهدت كرة القدم العالمية في السنوات الأخيرة، تصاعدا في النقاشات القانونية والاقتصادية حول مستقبل نظام الانتقالات الذي تديره “فيفا”، خاصة بعد الأحكام القضائية الأوروبية الأخيرة، وعلى رأسها حكم “ديارا”، الذي اعتبره الكثير من الباحثين نقطة تحول، قد تعيد رسم العلاقة بين اللاعبين والأندية والاتحادات الرياضية.اضافة اعلان
و”حكم ديارا”، يعود لقضية لاعب كرة قدم فرنسي اسمه ديارا، فسخ عقده مع نادي لوكوموتيف موسكو الروسي العام 2014 لأسباب غير مشروعه، وانتقل إلى فريق بلجيكي، قبل أن يحكم الاتحاد الدولي “فيفا” ومحكمة التحكيم الدولية “الكاس”، على اللاعب والنادي البلجيكي بضرورة تعويض النادي الروسي، قبل أن يتوجه اللاعب والنادي البلجيكي للمحكمة الأوربية التي فسخت قرار فيفا ومحكمة “الكاس”، مؤكدة أن لوائح “فيفا” تقيد حرية انتقال اللاعبين، وتخالف قوانين المنافسة في أوروبا.
وفي هذا السياق، برزت سلسلة من الدراسات والمقالات المتخصصة، شارك فيها خبراء قانون رياضي واقتصاد كرة القدم، سعوا من خلالها إلى إعادة التفكير في الأسس التي يقوم عليها النظام الحالي، وطرح بدائل أكثر عدالة وكفاءة.
التشكيك في مفهوم الاستقرار “التعاقدي”
لطالما دافع الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، عن نظام الانتقالات باعتباره وسيلة لحماية “الاستقرار التعاقدي” بين اللاعبين والأندية، وأن عددًا من الباحثين، يرون أن الواقع العملي يناقض هذا الادعاء، فالنظام الحالي، بحسب هؤلاء، لا يعزز الاستقرار بقدر ما يشجع الأندية على بيع لاعبيها قبل نهاية عقودهم، لتحقيق أرباح مالية من رسوم الانتقال.
وأكد الباحثون أن الأندية لا تستفيد اقتصاديًا، إلا عندما يغادر اللاعب قبل انتهاء عقده، وهو ما يجعل “عدم الاستقرار التعاقدي”، جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الكروي الحديث، وليس استثناءً طارئًا عليه.

الانتقالات كوسيلة لإعادة توزيع الثروة
من أبرز الأفكار التي تطرحها هذه السلسلة، أن نظام الانتقالات لا يقتصر على تنظيم حركة اللاعبين، بل يؤدي عمليًا دورًا اقتصاديًا يتمثل في إعادة توزيع الأموال بين الدوريات الغنية والفقيرة.
فالأندية الكبرى، خاصة في الدوري الإنجليزي الممتاز، تضخ مليارات الدولارات سنويًا في سوق الانتقالات، بينما تعتمد أندية في البرتغال وهولندا وبلجيكا على بيع اللاعبين كمصدر رئيسي للإيرادات. وبهذا المعنى، يصبح النظام وسيلة لنقل جزء من الثروة الكروية العالمية إلى أندية أقل قدرة مالية، خصوصا، تلك التي تستثمر في اكتشاف المواهب وتطويرها.
حكم “ديارا” وإرث “بوسمان”
يربط الباحثون بين التطورات الحالية وحكم “بوسمان” التاريخي، في تسعينيات القرن الماضي، الذي غير شكل سوق الانتقالات الأوروبية ومنح اللاعبين حرية أكبر بعد انتهاء عقودهم، واليوم، يرى كثيرون أن حكم “ديارا”، قد يكون بداية مرحلة جديدة، لأنه يضعف بعض الآليات التي كانت تمنح الأندية سيطرة واسعة على اللاعبين حتى أثناء سريان العقود.
ويعتقد خبراء قانون الرياضة أن هذه الأحكام القضائية الأوروبية، تفتح الباب أمام مراجعة أوسع لمدى توافق لوائح “الفيفا”، مع قوانين الاتحاد الأوروبي المتعلقة بحرية التنقل والمنافسة العادلة.
اللاعب بين الرياضة والاستثمار
ومن أكثر المحاور إثارة للجدل في هذه النقاشات، الانتقاد المتزايد لتحويل اللاعبين إلى “أصول مالية” قابلة للبيع والشراء. ويرى بعض الكتّاب أن النظام الحالي خلق بيئة تدفع بعض الأندية للتعامل مع اللاعبين باعتبارهم استثمارات اقتصادية أكثر من كونهم رياضيين أو أفرادًا يتمتعون بحقوق مهنية وإنسانية.
وأشار الباحثون، إلى أن هذا الواقع أدى أحيانًا إلى ممارسات مثيرة للجدل، مثل الضغط النفسي على اللاعبين لإجبارهم على الانتقال، أو استبعادهم من التدريبات والمباريات إذا رفضوا الرحيل، فضلًا عن تضخم دور الوكلاء والوسطاء الذين باتوا يحققون أرباحًا ضخمة من الصفقات.
دعوات إلى نظام بديل
وفي مواجهة هذه الانتقادات، بدأت تبرز مقترحات تدعو إلى بناء نموذج بديل يحقق إعادة التوزيع المالي، من دون فرض قيود كبيرة على حرية اللاعبين. ومن بين الأفكار المطروحة:
• فرض “ضريبة تضامنية” على إيرادات الدوريات الكبرى. 
• إنشاء صناديق دولية لتعويض الأندية التي تطور المواهب. 
•     تقليل الاعتماد على رسوم الانتقالات التقليدية. 
• الحد من العمولات الضخمة للوكلاء والوسطاء. 
وقال أصحاب هذه الرؤية إن الهدف ليس إلغاء التضامن الاقتصادي داخل كرة القدم، بل إعادة تنظيمه بطريقة أكثر شفافية وإنصافًا، تحافظ على حقوق اللاعبين وتقلل من المضاربات المالية.
مستقبل غامض مفتوح للنقاش
ورغم أن هذه الطروحات ما تزال في إطار النقاشين الأكاديمي والقانوني، إلا أنها تعكس زيادة القناعة، بأن نظام الانتقالات الحالي، قد لا يكون قابلًا للاستمرار بالشكل نفسه في المستقبل، خاصة مع تصاعد التدخل القضائي الأوروبي وزيادة الانتقادات الأخلاقية والاقتصادية.
وبينما تتمسك “الفيفا” والأندية الكبرى بالنظام الحالي، يرى باحثون ومتخصصون، أن كرة القدم قد تكون مقبلة على مرحلة إعادة هيكلة عميقة، تُعيد تعريف العلاقة بين المال والرياضة وحقوق اللاعبين في اللعبة الأكثر شعبية في العالم.

اقرأ أيضاً
قرار عاجل من مانشستر سيتي بشأن عمر مرموش بعد تألقه أمام برينتفورد

قرار عاجل من مانشستر سيتي بشأن عمر مرموش بعد تألقه أمام برينتفورد

عماد الحناينة 
محامٍ مختص في المنازعات الرياضية

كاتب المقال

ينضم أحمد محمود إلى فريق الكتاب الرياضيين ليقدم محتوى إخباري وتحليلي فريد حول أبرز القضايا الرياضية. يركز في مقالاته على متابعة التطورات السريعة في عالم الرياضة، ويؤمن بأهمية دور الصحافة في نقل الحقائق إلى الجمهور بشفافية وموضوعية. تابع أحمد لتستمتع بأفضل التغطيات الرياضية.