الشريك التقني لـ “فيفا”: السعودية قادرة على وضع معايير جديدة للتجربة الرياضية الرقمية عالميا

في ظل التحول الرياضي غير المسبوق الذي تشهده السعودية، لم يعد النجاح يقاس فقط باستقطاب النجوم العالميين أو بناء الملاعب الحديثة، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرة المنظومة الرياضية على بناء بنية تحتية رقمية تضاهي طموحاتها العالمية، بحسب فيديريكو بيينوفي، الرئيس التنفيذي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وشمال إفريقيا في شركة “جلوبانت”، الشريك التقني الرسمي للاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”.

وقال في حوار مع “الاقتصادية” إن السعودية قادرة على وضع معايير جديدة للتجربة الرياضية الرقمية عالميا، مبينا أن الدوري السعودي يملك فرصة لا تتكرر لبناء منظومة رقمية عالمية، حيث إن التكنولوجيا ستحدد قصة الرياضة السعودية خلال العقد المقبل.

ومع استعداد السعودية لاستضافة كأس آسيا 2027 وكأس العالم 2034، تتجه الأنظار إلى التكنولوجيا باعتبارها العامل الحاسم في إدارة البطولات، وتعزيز تجربة الجماهير، وتحويل الرياضة إلى صناعة متكاملة قائمة على البيانات والذكاء الاصطناعي، وفقا لبيينوفي.

وأشار إلى أنه في الوقت الذي يواصل فيه الدوري السعودي للمحترفين ترسيخ مكانته بين أبرز الدوريات العالمية، تبرز أسئلة جوهرية حول جاهزية المنظومة الرقمية لمواكبة هذا النمو السريع، وحول الدور الذي يمكن أن تلعبه التقنيات الحديثة في صناعة مستقبل الرياضة السعودية.

في هذا الحوار، يتحدث فيديريكو بيينوفي، عن تجربة الشركة في تطوير البنية الرقمية لكأس العالم 2026، وشراكتها مع الدوري السعودي للمحترفين، ورؤيته لمستقبل الرياضة السعودية في عصر الذكاء الاصطناعي .. إلى نص الحوار

تُعد بطولة كأس العالم 2026 الأكبر في تاريخ البطولة من حيث عدد المنتخبات المشاركة والملاعب والجماهير، ما هو دور الشركة فيها؟

تُقام كأس العالم الحالية في 3 دول و16 مدينة، بمشاركة عدد أكبر من المنتخبات والمباريات والجماهير التي تتفاعل عبر نقاط اتصال رقمية أكثر من أي بطولة سابقة، وفي قلب هذا الحدث تقف “جلوبانت” بصفتها الشريك التقني الرسمي للاتحاد الدولي “فيفا”، ومطوّر تطبيق “فيفا”، وتتولى مسؤولية توفير البنية التحتية الرقمية التي تدعم تجربة الجماهير بأكملها، وجاء حصولنا على هذا الدور نتيجةً لـ4 أعوام من التعاون الوثيق والمستمر مع الـ”فيفا”، ساهمنا خلالها في تحويل منظومة كانت تتكون من منصات متفرقة إلى نظام رقمي متكامل ومترابط صُمم لضمان الاستمرارية والكفاءة وقابلية التوسع والنمو.

عملنا على بناء الأسس التقنية لمنصة (فيفا+)،وتمكين هوية موحدة للجماهير من خلال FIFA ID، وتطوير تطبيق البطولة ليكون البوابة الرئيسية لمشاركة المشجعين في الفعاليات المباشرة، إلى جانب توسيع نطاق توزيع المحتوى عالمياً عبر مختلف البطولات والمسابقات، لم يكن هذا الإنجاز نتيجة عقد واحد أو عرض تقديمي منحنا هذا الدور، بل جاء ثمرة لسجل حافل من الإنجازات الملموسة على مدار السنوات، أثبتنا من خلاله قدرتنا على مساعدة “فيفا” في الانتقال من مبادرات متفرقة إلى منصة موحدة تقدم أساليب جديدة للتفاعل مع الجماهير، وتعزيز الشراكات، وتحقيق قيمة مستدامة ومتنامية بشكل مستمر. 

يمثل الذكاء الاصطناعي وعداً كبيراً في إحداث تحول جذري في طريقة عمل المؤسسات الرياضية الكبرى، فما التحديات التي تواجهونها؟

تمثل (وحدات الذكاء الاصطناعي AI Pods) فرق تنفيذية مستمرة تعتمد على سير العمل مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تتولى الأنظمة الذكية تنفيذ المهام المختلفة تحت إشراف وتوجيه خبرائنا المتخصصين، احدثت هذه المنهجية أثراً فورياً وقابلاً للقياس، إذ أسهمت في تسريع وتيرة الإنجاز 20%، وتعزيز القدرة على التنبؤ بالنتائج، وتوفير رؤية شاملة لجميع مراحل العمل، إلى جانب ترسيخ مفهوم التعلم المستمر.

وكنا نتوقع تحقيق مكاسب على مستوى الكفاءة والإنتاجية، إلا أن ما برز بصورة أكثر أهمية هو نشوء منظومة قادرة على التطور الذاتي بشكل مستمر، فهي تتعلم وتتحسن باستمرار وتكشف فرصاً جديدة بصورة متواصلة، الأمر الذي أعاد تشكيل العلاقة بين فرق التقنية والمؤسسات التي تخدمها. واليوم أصبحت التكنولوجيا قادرة على التطور بوتيرة أسرع من قدرة العديد من المؤسسات على استيعابها ضمن إجراءاتها التقليدية، هذا يعني أن التحدي لم يعد يتمثل في التساؤل: “هل يمكننا بناء هذه الحلول؟” بل أصبح: “هل نستطيع استيعاب ما تكشفه هذه الأنظمة والاستفادة منه بالشكل الأمثل؟” ومن هذا المنطلق، يتمثل التحدي الحقيقي في مساعدة المؤسسات على مواكبة السرعة التي باتت بها قدراتها التقنية تتطور، وتحويل الإمكانات التي توفرها التكنولوجيا إلى قرارات وإجراءات عملية تحقق قيمة ملموسة ومستدامة. 

أنفقت رابطة الدوري السعودي للمحترفين مبالغ كبيرة لاستقطاب أبرز نجوم كرة القدم في العالم، فأين يقف الدوري حالياً، وما حجم الفجوة التقنية التي تسعون إلى سدها؟

اقرأ أيضاً
رابطة الأندية تكشف أرقام دوري الموسم الماضي.. الزمالك أقوى دفاع وعمر صلاح يلفت الأنظار

رابطة الأندية تكشف أرقام دوري الموسم الماضي.. الزمالك أقوى دفاع وعمر صلاح يلفت الأنظار

استثمرت رابطة الدوري السعودي للمحترفين بشكل كبير في استقطاب المواهب ونجوم كرة القدم العالميين داخل الملعب، وهي تدرك أن التميز التشغيلي يجب أن يواكب هذا الطموح الكبير، تتمثل الفجوة التي نعمل على سدها في الانتقال من العمليات التقليدية المتفرقة إلى منظومة رقمية متكاملة قادرة على إدارة المنافسات الرياضية وفق أعلى المعايير العالمية.

ومن خلال شراكتنا مع رابطة الدوري السعودي للمحترفين، أصبحت مواسم الدوري السعودي تُدار عبر منصة رقمية متطورة تتيح تسجيل اللاعبين بسلاسة، وأتمتة إجراءات قيد الصفقات الجديدة، وإدارة عمليات يوم المباراة بشكل فوري، بما يشمل اعتماد قوائم اللاعبين، وتعيين الحكام، واختيار الأطقم الرياضية، وتنفيذ متطلبات الامتثال واللوائح التنظيمية، تعتمد المنصة التي نقوم بتطبيقها على تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات تحليل البيانات لرصد الأخطاء وتصحيحها بشكل آلي، ما يسهم في خفض الأعباء الإدارية بصورة كبيرة، ويمنح فرق إدارة المسابقات مزيداً من الوقت للتركيز على تطوير المنافسة والابتكار، بدلاً من الانشغال بالإجراءات الورقية والمهام التشغيلية التقليدية. 

لا يزال الدوري السعودي للمحترفين يكتب قصته في الوقت الراهن، هل هذا التحدي التقني يجعل ذلك أكثر صعوبة أم أكثر إثارة؟

البطولات التي تمتلك تاريخاً مؤسسياً عريقاً يمتد لعقود طويلة تأتي عادةً مصحوبة بإجراءات عمل راسخة، وأنظمة تقنية قديمة، وأساليب تشغيل متجذرة عبر السنوات، ما يجعل عمليات التحول الرقمي تتطلب إدارة دقيقة للتغيير وخططاً مدروسة للانتقال من الأنظمة التقليدية إلى الحلول الحديثة، أما الدوري السعودي للمحترفين، فهو يصنع قصته ويشكل ملامح مستقبله في الوقت الفعلي، وهو ما يخلق فرصة استثنائية لبناء بنية تحتية رقمية متطورة وفق أفضل الممارسات العالمية منذ البداية، بدلاً من الاضطرار إلى تكييف الأنظمة الجديدة مع قيود أو أنظمة موروثة من الماضي.

ومن هذا المنطلق، فإننا لا ننظر إلى الأمر باعتباره تحدياً أكثر صعوبة، بل فرصة أكثر إثارة وطموحاً، إذ يتيح لنا العمل مع الدوري السعودي تصميم منظومة تقنية حديثة ومرنة وقابلة للتوسع، بما يدعم تطلعاته للنمو ويعزز مكانته بين أبرز الدوريات العالمية، ويأتي هذا الحماس من العمل مع شريك يمتلك الطموح والإمكانات اللازمة للتحرك بسرعة، وتبني أحدث الحلول التقنية دون أن يكون مقيداً بإجراءات أو أنظمة تشغيل تقليدية تعود إلى عقود سابقة.

أما التحدي الحقيقي، فيكمن في غياب الخبرات المؤسسية المتراكمة التي يمكن الرجوع إليها أو البناء عليها، حيث يتعين تطوير المنظومة بأكملها واختبارها وتحسينها بصورة متزامنة، في الوقت الذي يواصل فيه الدوري عملياته التشغيلية ونموه المتسارع. ولذلك، يتطلب هذا الواقع نموذجاً مختلفاً من الشراكة، لا يقتصر على تطبيق الحلول التقنية فحسب، بل يمتد إلى المساهمة في ترسيخ الثقافة التشغيلية وبناء المعرفة المؤسسية اللازمة لضمان استدامة هذه المنظومة وتعظيم أثرها على المدى الطويل.  

هناك نسخة من هذه الشراكة تقتصر على تسريع الإجراءات الإدارية وتقليل الأخطاء، ونسخة أخرى أكثر طموحاً بكثير، أيّهما نتناول اليوم؟

بالتأكيد، توفر منصة نظام إدارة المنافسات مزايا مباشرة تتمثل في تسريع الإجراءات الإدارية والحد من الأخطاء التشغيلية، إلا أن هذه ليست سوى نقطة البداية. فالطموح الحقيقي يتجاوز ذلك بكثير، ويتمثل في رقمنة العمليات الأساسية لإدارة المسابقات بطريقة تمكّن رابطة الدوري السعودي للمحترفين من العمل بمستويات أعلى من السرعة والشفافية والدقة عبر مختلف جوانب المنظومة التشغيلية.

والأمر يتجاوز التحول الرقمي بمفهومه التقليدي الضيق، ليشمل بناء بنية تحتية ذكية وقابلة للتوسع تدعم مستهدفات “رؤية السعودية 2030″، وتنسجم مع طموحات السعودية المتنامية لتعزيز حضورها ومكانتها على الساحة الرياضية العالمية، وتتولى المنصة إدارة مجموعة واسعة من العمليات المعقدة، بدءاً من إعداد الجداول وتنظيم المنافسات، مروراً بإجراءات التسجيل والعمليات التشغيلية المختلفة، وصولاً إلى متطلبات الامتثال واللوائح القانونية والتنظيمية. والأهم من ذلك، أنها تؤسس لقاعدة تقنية متينة تتيح تطوير قدرات وإمكانات مستقبلية قد لا يكون بالإمكان التنبؤ بها، لكنها ستمنح الدوري السعودي مرونة أكبر وقدرة مستمرة على الابتكار والتطور مع نمو متطلبات اللعبة والجماهير في السنوات المقبلة. 

التجربة الرقمية المحيطة بالدوري السعودي لا تعكس حتى الآن هذا المستوى من الولاء والتفاعل، متى سيشعر المشجع في الرياض أو جدة بأثر هذه التقنية بشكل مباشر؟

تتمثل الأولوية الحالية لنا في بناء بنية تحتية تشغيلية متقدمة تمكّن الدوري من العمل بمستوى أكثر تطوراً وكفاءة، فهذه هي القاعدة الأساسية التي تُبنى عليها جميع التجارب الرقمية الموجهة للجماهير. ومع نضوج هذه المنظومة وتطورها، سيبدأ المشجعون في الرياض وجدة، وفي مختلف أنحاء السعودية، في ملاحظة أثر هذه التقنيات بشكل ملموس من خلال تجارب أكثر سلاسة في أيام المباريات، ووصول أسرع وأكثر دقة إلى المعلومات والبيانات اللحظية، فضلاً عن منصات رقمية متقدمة تتعامل معهم بوصفهم جزءاً أساسياً من المنظومة الرياضية، وليس مجرد متابعين أو مشاهدين.

والهدف النهائي يتمثل في تقديم تجربة رقمية متكاملة تعزز تفاعل الجماهير مع الدوري السعودي، وتوفر لهم خدمات ومحتوى أكثر تخصيصاً وسهولة، بما يواكب حجم الشغف الذي يتمتع به جمهور كرة القدم السعودية ويعكس المكانة المتنامية للدوري على المستويين الإقليمي والعالمي.

شاهد أيضاً
الأهلي يحيل ملف أشرف بن شرقي إلى الحسين عموتة

الأهلي يحيل ملف أشرف بن شرقي إلى الحسين عموتة

وعلى نطاق أوسع، نشهد في عالم كرة القدم تحولاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين الأندية والبطولات من جهة، والجماهير من جهة أخرى، حيث لم يعد المشجع مجرد فرد مجهول ضمن حشد كبير من المتابعين، بل أصبح شخصية رقمية معروفة يمكن التعرف عليها والتفاعل معها وبناء علاقة مستمرة معها على المدى الطويل .ويتطلب تحقيق ذلك وجود أنظمة موحدة لهوية المشجعين، ومحتوى مخصص يتوافق مع اهتماماتهم، ومنصات رقمية ترافقهم في مختلف مراحل رحلتهم مع اللعبة، بدءاً من الفترة التي تسبق المباراة، ومروراً بأحداث يوم المباراة، ووصولاً إلى التفاعل المستمر بعدها.

والواقع أن التكنولوجيا اللازمة لتحقيق هذه الرؤية أصبحت متاحة بالفعل، أما التحدي اليوم فيكمن في تطبيقها على نطاق واسع وبصورة متكاملة. وفي هذا السياق، يجري العمل حالياً على تنفيذ هذه الرؤية بشكل تدريجي ومنهجي، بما يمهد الطريق لتجربة جماهيرية أكثر تفاعلاً وتخصيصاً وارتباطاً بالدوري السعودي للمحترفين خلال السنوات المقبلة. 

تتحدث جميع الشركات العاملة في القطاع الرياضي اليوم عن الذكاء الاصطناعي، فما الذي تقدمه “جلوبانت” فعلياً في عالم كرة القدم؟

الدليل الحقيقي يكمن في النتائج القابلة للقياس. فقد نجحنا في تطبيق نموذج (وحدات الذكاء الاصطناعي AI Pods) الذي أسهم في تسريع وتيرة الإنجاز بنسبة 20%، مع تعزيز القدرة على التنبؤ بالنتائج، وترسيخ مفهوم التعلم المستمر ضمن سير العمل والتنفيذ اليومي. وما يميز نهج غلوبانت هو أننا لا نتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره إضافة جانبية أو ميزة تسويقية نروج لها، بل نعتبره المحرك الأساسي الذي يقود عمليات التنفيذ على نطاق واسع، في حين يتولى الخبراء المتخصصون توجيه هذه العمليات والتحقق من مخرجاتها وضمان توافقها مع الأهداف المطلوبة.

وبفضل هذا النموذج، لا تقتصر الفائدة على إنجاز المهام بسرعة أكبر فحسب، بل تمتد إلى تحسين جودة التنفيذ، وزيادة حجم الأعمال التي يمكن إنجازها، وتعظيم القيمة والأثر الناتجين عنها. نحن نستخدم الذكاء الاصطناعي لأتمتة العمليات، ولإعادة تصميم أساليب العمل بأكملها، بما يمكّن المؤسسات الرياضية من تحقيق مستويات أعلى من الكفاءة والابتكار والقدرة على التطور المستمر.

تستثمر السعودية في القطاع الرياضي استثماراً كبيراً لا يضاهيه أي مكان آخر في العالم، كيف تقيّمون واقع المنظومة الرياضية الرقمية في المنطقة حالياً؟

تمر المنظومة الرياضية الرقمية في المنطقة حالياً بمرحلة مبكرة لكنها بالغة الأهمية. فهناك طموحات استثنائية واستثمارات ضخمة تُضخ في القطاع الرياضي في السعودية، إلا أن البنية التحتية الرقمية الأساسية — المتمثلة في الأنظمة التي تربط هوية الجماهير وإدارة الوصول إلى الملاعب والسلامة والتفاعل الجماهيري على نطاق واسع — لا تزال في طور البناء والتطوير. وفي الواقع، فإن الفجوة بين حجم الاستثمارات المتسارعة ومستوى البنية التحتية الرقمية المتاحة حالياً هي التحدي الرئيسي الذي نعمل على معالجته وسدّه.

ومن خلال شراكتنا مع رابطة الدوري السعودي للمحترفين، نركز على إعادة ابتكار تجربة كرة القدم من خلال بناء منظومة متكاملة لهوية المشجعين  (Fan ID)، وتطوير منصة موحدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تربط بين مختلف عناصر التجربة الرياضية ضمن إطار رقمي متكامل ومتناسق. وبكل صراحة، يمكن القول إن جميع العناصر الأساسية متوافرة حالياً؛ فالطموح موجود، والاستثمارات متاحة، والإدراك المتزايد لأهمية البنية التحتية الرقمية حاضر بقوة لدى مختلف الجهات المعنية. أما ما تبقى، فهو العمل المنهجي والمنظم لبناء أنظمة رقمية قادرة على العمل بكفاءة وموثوقية تواكب الطموحات الرياضية الكبيرة للمملكة. 

أتاحت رؤية السعودية 2030 فرصاً استثنائية، ورفعت سقف التوقعات إلى مستويات غير مسبوقة، ماذا سيحدث إذا لم تتمكن التكنولوجيا من مواكبة هذا الطموح؟

إذا لم تتمكن التكنولوجيا من مواكبة هذا الطموح، فقد تجد المملكة نفسها تستضيف نخبة الرياضيين وأكبر الفعاليات العالمية ضمن بيئة تشغيلية لا تعكس مستوى التميز الذي تستهدفه في مختلف المجالات الأخرى. فالجماهير ستدرك سريعاً عندما لا ترقى التجارب الرقمية المصاحبة للفعاليات الرياضية إلى المستوى الذي اعتادت عليه في أبرز الأحداث الرياضية العالمية. كما سيلاحظ الشركاء والرعاة وجود فجوة إذا لم تتوافق قدرات البيانات والتفاعل الجماهيري مع حجم الجمهور والقيمة التي يُتوقع تحقيقها. وكذلك ستواجه المؤسسات الرياضية نفسها تحديات تشغيلية متزايدة إذا استمرت في الاعتماد على الإجراءات اليدوية أو الأنظمة غير المتكاملة في بيئات تتطلب السرعة والدقة والمرونة في اتخاذ القرار.

لقد وضعت رؤية السعودية 2030 معياراً واضحاً وطموحاً لما يجب أن تكون عليه المملكة في المستقبل، والعالم بأسره يراقب هذه المسيرة باهتمام كبير. ولذلك فإن حجم التحدي يرتبط مباشرة بحجم الطموح؛ فكلما ارتفعت التطلعات، ازدادت أهمية امتلاك بنية تقنية متقدمة قادرة على دعمها وتحويلها إلى واقع ملموس لتعزيز مكانة المملكة كإحدى أبرز الوجهات الرياضية العالمية. 

تستضيف السعودية بطولة كأس آسيا 2027 وكأس العالم  2034، وهما حدثان سيتابعهما مليارات الأشخاص في العالم. ما مدى الحاجة إلى وضع البنية التحتية الرقمية اللازمة لهاتين البطولتين؟

قد يهمك
بقرار من قادري.. الكشف عن ملامح خطة تحضير الحزم للموسم الجديد

بقرار من قادري.. الكشف عن ملامح خطة تحضير الحزم للموسم الجديد

يجب أن يبدأ العمل على هذه الأسس الرقمية من الآن باعتباره أمراً ضرورياً. فالبنية التحتية الرقمية المطلوبة لاستضافة بطولات كبيرة بهذا الحجم والتأثير العالمي لا يمكن بناؤها خلال الأشهر الأخيرة التي تسبق الحدث، وإنما تحتاج إلى سنوات من التطوير والاختبار والتحسين المستمر وإثبات الكفاءة عبر البطولات والعمليات التشغيلية التي تسبقها.

فالأنظمة التي ستدعم تنظيم بطولة كأس العالم 2034 يجب ألا تكون حلولاً مؤقتة يتم تطويرها قبيل البطولة، بل ينبغي أن تكون امتداداً للأنظمة نفسها التي تدير مواسم الدوري السعودي للمحترفين والفعاليات الرياضية المختلفة خلال السنوات المقبلة، مع تطويرها وتعزيز قدراتها بشكل مستمر حتى تصل إلى أعلى مستويات الجاهزية والنضج. ومن هنا تبرز أهمية الشراكات الإستراتيجية من هذا النوع، إذ لا تقتصر أهدافها على تقديم منتج أو حل تقني لفعالية محددة، وإنما تركز على بناء قدرات مؤسسية وتقنية تتراكم قيمتها مع مرور الوقت، وتوفر أساساً مستداماً للنمو والتطوير المستقبلي.

وبالنظر إلى الواقع الحالي، يمكن القول إن العناصر الأساسية متوافرة بالفعل؛ فالشراكات الاستراتيجية قائمة، والرؤية والطموح واضحان، كما أن العمل بدأ فعلياً على بناء هذه المنظومة الرقمية تدعم مستقبل الرياضة السعودية لعقود قادمة، وتضمن جاهزية السعودية لاستضافة أكبر الأحداث الرياضية العالمية وفق أعلى المعايير الدولية. 

بعد 10 أعوام من مسيرة الرياضة السعودية، ما القصة التي سنرويها عن الدور الذي لعبته التكنولوجيا؛ سواء في تمكين هذا التحول أو في الإخفاق في تحقيقه؟

إذا تم تنفيذ هذه الرؤية بالشكل الصحيح، فسننظر إلى هذه المرحلة باعتبارها اللحظة التي رسخت فيها السعودية مكانتها كإحدى الدول الرائدة عالمياً في تقديم تجارب رياضية رقمية متكاملة، حيث تم دمج التفاعل الجماهيري والتميز التشغيلي والقيمة التجارية ضمن منظومة موحدة مدعومة ببنية تحتية تقنية تم تصميمها بعناية ورؤية مستقبلية واضحة.

وسنروي قصة دولة نجحت في استضافة بطولات كبرى ووضعت معايير عالمية جديدة، وأدارت دوريات رياضية تنافس الأفضل عالمياً ليس فقط من حيث استقطاب المواهب والنجوم، بل أيضاً من حيث الابتكار والتطور التقني. كما سنشهد نموذجاً ريادياً تسعى الأسواق الرياضية الناشئة حول العالم إلى الاستفادة من تجربته والاقتداء به.

أما إذا لم يُنفذ هذا العمل بالشكل المطلوب، فقد ننظر إلى هذه المرحلة باعتبارها فترة شهدت استثمارات استثنائية وطموحات غير مسبوقة، لكنها لم تتمكن من تحقيق كامل إمكاناتها، لتصبح الفجوة بين الطموح والتنفيذ درساً تحذيرياً حول أهمية بناء الأسس التقنية والتنظيمية القادرة على تحويل الرؤى الكبرى إلى نتائج ملموسة.

ويبقى السؤال الأهم: هل سيتم الحفاظ على الالتزام والاستثمار طويل الأمد اللازمين لبناء هذه المنظومة بالشكل الصحيح وضمان استدامة نجاحها؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد القصة التي ستحكيها الرياضة السعودية للعالم بعد عقد من الزمن. 

ما النقاش الصريح الذي يجب أن يجريه قطاع الرياضة السعودي مع نفسه حول التحول الرقمي؟، وهل هناك من يخوض هذا النقاش فعلاً؟

يتمثل النقاش الأكثر أهمية وصراحة في التمييز بين الإعلان عن الشراكات التقنية وبين بناء القدرات الرقمية الحقيقية على أرض الواقع. فالتـحول الرقمي هو مسار طويل يتطلب عملاً منهجياً ومستداماً، وتغييراً مؤسسياً عميقاً، واستثمارات متواصلة في البنية التحتية والأنظمة قد تعمل في كثير من الأحيان خلف الكواليس دون أن تكون نتائجها مرئية بشكل فوري.

ومن هذا المنطلق، يحتاج القطاع الرياضي السعودي إلى طرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية على نفسه: هل هو مستعد للالتزام طويل الأمد الذي يتطلبه بناء منظومات رقمية متكاملة؟ وهل يمتلك الصبر المؤسسي اللازم للاستثمار في بنية تحتية قد لا تظهر نتائجها الملموسة إلا بعد سنوات؟ وهل توجد الرغبة في منح الشركاء التقنيين المساحة الكافية لإعادة تقييم الإجراءات الحالية وتحدي الأساليب التقليدية عندما تصبح غير قادرة على مواكبة متطلبات المستقبل؟

فالتحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق من خلال التكنولوجيا وحدها، بل يتطلب أيضاً استعداداً لتطوير ثقافة العمل، وإعادة تصميم العمليات التشغيلية، وتبني أساليب جديدة في اتخاذ القرار وإدارة الأداء. والمؤشرات الحالية تدعو إلى التفاؤل، إذ إن هناك إدراكاً متزايداً داخل القطاع الرياضي السعودي لأهمية التكنولوجيا ودورها الإستراتيجي في تحقيق الأهداف طويلة المدى.

كاتب المقال

ينضم أحمد محمود إلى فريق الكتاب الرياضيين ليقدم محتوى إخباري وتحليلي فريد حول أبرز القضايا الرياضية. يركز في مقالاته على متابعة التطورات السريعة في عالم الرياضة، ويؤمن بأهمية دور الصحافة في نقل الحقائق إلى الجمهور بشفافية وموضوعية. تابع أحمد لتستمتع بأفضل التغطيات الرياضية.