منتخبنا خرج من كأس العالم قبل أن تبدأ البطولة
عندما ودّع المنتخب دور المجموعات في كأس العالم 2026، انصبّ الحديث على النتائج، وأخطاء المدرب واللاعبين. لكن الحقيقة أن خروجنا لم يبدأ مع صافرة المباراة الأولى، ولم يكن نتيجة تسعين دقيقة، بل كان نتيجة سلسلة من القرارات التي سبقت البطولة بوقت طويل.
لقد خرجنا من كأس العالم ونحن لا نزال في مرحلة الإعداد لها.
في كرة القدم الحديثة، لا تُصنع الإنجازات داخل الملعب فقط، بل تُصنع أولًا في مكاتب التخطيط واتخاذ القرار. فاختيار رئيس اتحاد يمتلك رؤية واضحة، وتعيين جهاز فني وفق معايير فنية لا وفق ردود الأفعال، وبناء جهاز إداري محترف، ووضع استراتيجية تمتد لسنوات، كلها خطوات تسبق الفوز بالمباريات، بل تحدد إمكانية الفوز أصلًا.
ولهذا، فإن تحميل المدرب أو اللاعبين وحدهم مسؤولية الإخفاق لا يعالج أصل المشكلة، بل يؤجلها. فالخلل الحقيقي يبدأ عندما تغيب الحوكمة، وتضعف آليات الاختيار، وتتأخر القرارات، وتتغير الخطط مع كل مرحلة، فتغيب الاستمرارية ويصبح النجاح استثناءً بدلًا من أن يكون نتيجة طبيعية لمنظومة عمل متكاملة.
اليوم، تقود المملكة مشروعًا وطنيًا غير مسبوق في مختلف القطاعات، يقوم على التخطيط، ورفع الكفاءة، والمساءلة، وصناعة المستقبل. والرياضة ليست استثناءً من هذه الرؤية، بل هي أحد واجهاتها أمام العالم، خصوصًا مع استضافة المملكة لأكبر الأحداث الرياضية، وفي مقدمتها كأس العالم 2034.
ولهذا، فإن المرحلة القادمة تتطلب أن تُدار كرة القدم بالعقلية نفسها التي نجحت بها المملكة في ملفاتها الكبرى: رؤية واضحة، كفاءات مؤهلة، مؤشرات أداء، واستمرارية في العمل، بعيدًا عن الحلول المؤقتة وردود الأفعال.
إن مراجعة المرحلة يجب ألا تقتصر على تقييم مباراة أو مدرب أو لاعب، بل يجب أن تبدأ من الأسئلة الجوهرية: كيف تُدار كرة القدم السعودية؟ وكيف تُتخذ القرارات؟ وما المعايير التي يُختار بها القادة؟ وكيف تتم محاسبة المسؤولين عن النتائج؟
فالمنتخبات الكبرى لا تُبنى خلال معسكر أو بطولة، وإنما تُبنى عبر مشروع متكامل يمتد لسنوات. وإذا أردنا أن يكون المنتخب السعودي منافسًا حقيقيًا في كأس العالم 2034، فعلينا أن نبدأ من حيث تبدأ جميع الدول الناجحة: بناء المنظومة قبل انتظار النتيجة.
همسة:
الحقيقة المؤلمة هي أننا لم نخرج من دور المجموعات… بل خرجنا قبل أن تبدأ البطولة




